الرغبة، الفراغ، والفضاء ...

عن مشاريع وعقبات تحويل المجازر التاريخية للدار البيضاء إلى مركز ثقافي. كتبته : فلورنس رونو – ضرسي، نفس، مارس 2013.
بحسب: Florence Renault-Darsi | آذار 2013

شهد المغرب قبل عشر سنوات ولادة ما قد نسميه بزوع مختلف حقول الخلق والإبداع الفني المعاصر. بحيث تتشكل اليوم حركة طليعية في ما يخص : البحث، والجماليات، وتجديد الأشكال، والانفتاح على روابط دولية. على الرغم من هذا فإن الهيآت العمومية تظل كما في السابق غير ملتزمة بشكل كلي في سيرورة الإنتاج الثقافي هاته ، ويظل الفاعلون الأساسيون في العملية هم فعاليات المجتمع المدني، الذين يتجمعون في إطار جمعيات ومنظمات أهلية تحاول، ولو بصعوبة، توسعة مجال مبادراتهم والأنشطة الثقافية التي يقدمونها ولو في سياق هش يعرف مقاومات سلبية من جهات مختلفة. إلى هذه الملاحظة ، ينضاف ضعف وضوح رؤية خصوصا، لندرة الأماكن المخصصة الإبداع وتقديم العروض، والملائمة لمختلف أنماط الإبداع المعنية بمشاريع مثل هاته. لو أخدنا بعين الاعتبار، أن النقص يمكّن من انبثاق الرغبة، فإن الرغبة يتوجب أن تكون الآن، هي المحرك الأساسي لمشروع يتم بناؤه وتطويره قصد إيجاد فضاءات مخصصة للإبداع المعاصر في أشكاله المتعددة. وبما أن الفضاء الثقافي لا وجود واقعي له دون مشروع، فإن المشروع لا يمكن أن يتطور إلا في تجانس مع السياق الثقافي والاجتماعي والحضري والاقتصادي، الذي ينبثق داخله. من كل هذه الاحتمالات، يظل السياق السياسي هو الأكثر تعقيدا التطرق إليه في المجال الذي يخص الدار البيضاء.
ولدت فكرة مشروع ثقافي من أجل إحياء المجازر البلدية القديمة للدار البيضاء في خريف العام 2000، مستبقة إغلاق الموقع في السنة الموالية. بسبب ضيق الوقت، وانعدام الجاهزية، وبسبب انعدام القدرة الحقيقية للانخراط في هذا التغيير، فإنه لم يكن على الأجندة حينها، لكن الرغبة في تحويله ظلت قائمة، وتحققت في المستقبل. في خريف 2008، وبعد أن استفادت من الإمكانيات المستقبلية التي توفرها الانتخابات الجماعية (انتخابات المجالس البلدية) المزمع تنظيمها في يونيو 2009، تم إحياء "مشروع المجازر البلدية"، تم بطلب من مجلس المدينة، مع تنسيقية من الفاعلين الثقافيين ومختلف الجمعيات بالدار البيضاء. اتفاق أول، يمتد على سنة، وقع حينها إذا بين المدينة وإحدى الجمعيات الحاملة للمشروع. يخص الأمر "كازاميموار" (ذاكرة الدار البيضاء). الحدث الأول الذي أطلق عليه "ثقافيات الباطوار" (1)، نظم في أبريل من نفس السنة، بينما لم تر النسخة الثانية من الحدث النور، بسبب ضعف الإمكانية المالية والانخراط والالتزام الفعلي من طرف المدينة.
في سياق فقير كما هو الحال في الدار البيضاء وبسبب ضعف التجهيزات المخصصة للثقافة لفائدة حوالي خمسة مليون نسمة، يصير من المغري الرغبة في نقل تجارب متعددة للفضاءات المهملة التي تتحول إلى فضاءات ثقافية، في أوربا. وليس على الأقل استدعاء ومساءلة سيروة تطبيق هاته "النماذج" في السياق المغربي عموما، وفي مدينة الدار البيضاء بالخصوص. وإذا كان النقص الحاصل في الفضاءات الثقافية يلتقي بواقع "فراغ" المصانع والمباني المهجورة الأخرى، فإن مبدأ تملك هذه الفضاءات ليس بالضرورة مؤكدا. الأمثلة ، التي ولدت في أوربا، لاحتلال الفضاءات المهجورة، الذي يكون في البداية غير قانوني تجعلنا حالمين، لكنها ليست راهنة في السياق المغربي، الذي تصير فيه تراخيص الهيآت المسسؤولة، حتى الغير النظامية، هي الحل الوحيد. بالدار البيضاء، هذه الفضاءات المهجورة المتعددة كانت نصب أعين المستثمرين العقاريين والسلطات العمومية، إلى اليوم الذي أعلنت فيه منظمة للمجتمع المدني عن رغبتها في احتلال الفضاء من خلال مشروع ثقافي. وحتى إذا كانت تمكنت ، في حالة المجازر البلدية ، أن تطلق الأنشطة الثقافية برغبة من مجلس المدينة في سياق انتخابي، فإنها إلى حد الأن وطيلة هذه السنوات لم تتمكن من انتزاع اتفاقية تمنحها تدبير الفضاء ، ولا يزال الصراع حوله قائما.
نموذج حديقة "لارميطاج" بالدار البيضاء يظل نموذجا مختلجا للطريق التي يعامل بها "الشيء " الثقافي والفني بالمغرب. هكذا وبعد أن استشيرت جمعية "لاسورس دي ليون" (عين السبع) من طرف سلطات المدينة لغرض التفكير في طريق لإعادة الاعتبار لهذا المجال/ الفضاء المهمل . ثم إقصاء الجمعية بشكل مراوغ من المشروع النهائي، على الرغم من أن اقتراحاتها كانت قبلت من طرف السلطات العمومية في السنة السابقة. المخطط الجديد استبعد تماما كل ما يوجد على على أرض الواقع، كما هو الحال مع مشاريع مندمجة لفنانين استدعوا للتفكير في مستقبل الموقع، وانطلقوا من مقاربة القرب مع محيط الحديقة وزوارها. الأوراش الفنية العملية منذ سبع سنوات، والمستقرة بمبنيين من المباني المهجورة التي منحت لجمعية "لا سور سدي ليون"" من طرف المدينة، ثم مسحها وتهديمها. مما حرم أطفال الحي من موعدهم الأسبوعي. هكذا في خضم سياسة ثقافية لا تعتبر الفنانين والفاعلين الثقافيين إلا كمخاطبين مؤقتين، فإن بناء مشاريع حقيقية، هو مسيرة محارب حقيقية، يصير فيها الاستغلال السياسي عائقا حقيقيا ومن أكثر الأشياء التي يصعب اجتيازها، والأكثر كبحا للرغبة. على الرغم من هذا فإن فكرة الموقع الثقافي، بذاتها تندرج في مقاربة تمس المجال الفني كما المجالات الاجتماعية والسياسية وحتى الاقتصادية. والسلطة ألن تربح في حال ما استجابت لمثل هذه المقاربة والمبادرات وشجعتها ؟
في سياق شبيه بسياق المجازر البلدية القديمة، فإن موضع المكان في المدينة – الحي المحمدي وهو أقدم حي عمالي بالعاصمة الاقتصادية – والأنشطة المجاورة التي انحدرت من وظيفته القديمة، هي إحداثيات وعناصر يجب أخدها بعين الاعتبار في مشروع تحويله إلى "مصنع ثقافي"، لما لها من إمكانيات للتنمية الحضرية، والاجتماعية والإنسانية والاقتصادية – وما وراء الثقافة بحد ذاتها- التي ستعمل على مساءلة المسؤولين على حسناتها المؤسسة، وعن ضرورة هذه الأماكن الثقافية "البديلة"، في مشروع سياسي مفتوح على أفق جديد للتنمية المستدامة، الإنسانية، والموجهة ناحية إشكالية أقل تجارية، في ما يخص احتلال المجال.
مؤخرا صار الترامواي يمر بمسافة تصل إلى حوالي المئة متر من الموقع، بينما افتتح مركب سوسيو رياضي على مقربة من الباطوار، وهي كلها عوامل إيجابية لإعادة إحياء ثقافي للموقع في سياق صحي حيث تسود اهتمامات المواطنة. في فرنسا صار من العادي الدمج بين الرياضة والثقافة في سياسات المدن، سواء في ما يخص البنيات التحتية أو في التنشيط بالأحياء. هنا مثل هذه المرافق يمكن أن تصير خطرا حقيقيا على مشروع ثقافي، لأنها يمكن أن توقظ المضاربات العقارية الأكثر مردودية مالية من الثقافة، على الرغم من أن مباني المجازر البلدية القديمة مسجلة في المآثر التاريخية الوطنية . منذ عشر سنوات، وعلى الرغم من أن التجارب الفنية تبتعد عن الأشكال التقليدية للفعل الثقافي يمكن أن تكون إمكانيات حقيقية للتنشئة الاجتماعية، ولـ"إعادة الاعتبار" للإنساني في مدينة كالدار البيضاء.
 

 

هوامش:
  1. www.casamemoire.org
  2. "مشروع لارميطاج" طورته "لا سورس دي ليون" ما بين 2002 و2007 على شاكلة جسر فني:
  3. ديسمبر 2012.
  4. المجمّع الاجتماعي الرياضي في الحي المحمدي.
  5.  تسجيل المجازر البلدية. قرار رقم 1.301.03 بتاريخ : 27/06/2003. الجريدة الرسمية رقم : 5134 بتاريخ 14/08/2003. التشريع الحالي لحماية "المآثر التاريخية" ليس ملائما لتراث مدينة الدار البيضاء: اقتراحات تصنيف المباني المنعزلة لا يمكن أن يستجيب لحفظ هذه المباني. بالمقابل فإن التصنيف ينظر إليه كعقوبة من طرف المستثمرين، الذين بسبب غياب أي مرافقة لهم لا يجدون بدا من لترك المباني التي في ملكيتهم للانهيار والتحلل حتى تختفي." المصدر:.

Florence Renault-Darsi

Art historian, curator. Artistic director of La Source du Lion in Casablanca, Morocco.

ترجمه عن الفرنسية: محمد الخضيري

المجازر البلدية للدار البيضاء
العنوان: تقاطع شارع جعفر البرمكي وشارع الأوداية،
الحي المحمدي الدار البيضاء ،
المغرب.


بنيت المجازر البلدية القديمة للدار البيضاء في العام 1922 من طرف المعماري الفرنسي جورج إرنست ديماري .

المباني المغطاة تبلغ مساحتها 2.2 هكتار، توقف العمل بها في العام 2002 بعد أن افتتحت مجازر جديدة بمدينة الدار البيضاء.

الباطوار كما يطلق على المجازر بالمدينة، أدرجت في قائمة المباني الأثرية الوطنية، في العام 2003.

الصور التي ترافق نص فلورنس رونو ضرسي التقطها كل من غيرهارد هاوبت وبات بيندر في أكتوبر 2012.


محتويات ذات صلة:

Hermitage 1
فنانو \"عين السبع\" يتخذون تحركات ضد خطة تطوير الحديقة بالدار البيضاء
Source du Lion4
جمعية فنية في الدار البيضاء، المغرب. مشروع حماية بيئية، منصب بخاصة على الحديقة العامة لارمطاج في الدار البيضاء.
 
نفس
Back to Top