هنا وهناك

بحسب: Laurence Cornet | آب 2014

بعد مرور بضعة أيام فقط على اندلع أعمال العنف مجدداً في غزة، التي استحالت فجأة مسرحاً للغارات الجوية المدمّرة، افتتح متحف نيويورك الجديد معرض "هنا وهناك" المستوحى عنوانه من فيلم جان لوك غودار وجان بيير غورين وآن ماري مييفيل المؤيّد للقضية الفلسطينية الصادر في العام 1976. وتبحث المقالة المعقّدة هذه التي بدأت كوثائقي عن الثورات الفلسطينية في دور الصورة في إلهام الضمير السياسي أو القضاء عليه. مع أن الوضع الدبلوماسي لم يتغير كثيراً في حوالى 40 عاماً، إلا أن الغرض من هذا المعرض ليس سياسياً - إلا إذا اعتبرنا أن التوعية حول مشهد فني غير معرّض وغالباً ما يُنظَر إليه من عدسة الاستشراق الغربي، سياسية.

تستكشف آلاء يونس هذه القضية في مشروعها المعنون بشاعرية "مؤشر محبة الأرض المتوترة وغير المتعمّدة"، وهو معرض داخل المعرض حيث تضع جنباً إلى جنب أعمالاً فنية وصوراً ووثائق من الثقافة البصرية التي تقوض التصوير النمطي للصراع الفلسطيني وتتحدى التمثيل الإعلامي السائد. وتشمل مجموعتها أعمالاً من وجهات نظر غربية وشرقية، من بينها صور للمصورين الصحافيين برونو باربي وريمون ديباردون من صور ماغنوم، ولقطات أفلام، وملصقات دعائية، ومنشورات سياسية، وخريطة للعالم العربي مطبوعة في مصر في العام 1967، وغيرها من ملامح الثقافة الشعبية الفلسطينية وتاريخها البصري، المحلي كما الدولي. وقعت مؤخراً على مقال في صحيفة لوموند الفرنسية نشره "رسامون تشكيليون" "Plasticiens" قرأتها في البداية "Palestiniens" (أي فنانون فلسطينيون). أخذت أتساءل ما إذا كان ارتباكي يعود إلى بقية العنوان: يبحثون عن وضع...".

إن توسيع نطاق هذا المفهوم ليشمل الفنانين العرب هو بالضبط الهدف من المعرض ككل، وهو معرض يتولى تقييمه الفني فريق عمل المتحف الجديد ويمتد على كل طوابقه وبهوه الذي يتخذ شكل المكعب الأبيض وصممه المهندسان المعماريان كازويو سيجيما و رايو نيشيزاوا. وهذه خطوة هامة بعد أن أقنع المتحف، في العام 2011، الجمهور بالفن الوافد من الشرق الأوسط من خلال برنامجه المضيف، بالاشتراك مع مركز بيروت للفن. كان هذا المعرض صغير جداً، مع أنه أقيم في الطابق العلوي من المتحف وركّز حصراً على الفنانين اللبنانيين وإشكالياتهم. ومن شأن البيان "هنا وهناك" أن يتحدى إغراء التعميم الجمالي والسرد الغريب. وقد قال القيّمان الفنيان ناتالي بيل وماسيميليانو جيوني في مقدمتهما في هذا الصدد: "إن فناني "هنا وهناك" العالمين بما هو على المحك في التمثيل، سواء في الإعلام التصويري أو في تداول الصورة العالمي أو في ممارسات عالم الفن، يتشاركون موقفاً حاسماً إزاء الصور، وشكاً مشروعاً إزاء التمثيلات المبسطة، والتزاماً بالتشكيك في الدور الذي تؤديه الصور في تلفيق الروايات التاريخية".

لا بدّ من وجود صدف ثقافية، ولكنها غير متجانسة. فيعمد القيّمان الفنيان إلى تحدّي معنى التكرار الواضح باستخدام الحرب كإطار - تم تثبيت عمل آلاء يونس في الطابق العلوي، في حين أن الطابق الثاني (طابق المعرض الحقيقي) يستضيف حصراً أعمالاً حول هذا الموضوع. وقد قاربت الحرب من وجهة نظر شخصية، حيث أنها قامت بالتركيز على الذكريات الفردية بدلاً من على الحقائق. وقد حرصت لميا جريج على تصوير شهادات لأفراد يسردون تجربتهم في الحرب، وأحياناً بمصطلحات ارتقت إلى مستوى التجريدات: "ظننت أنها معلبات غذائية تنفجر، وكان يتم إطلاق النار فعلياً"، "بالكاد أتمكن من متابعة فعاليات اليوم باستثناء القصف الذي كنت أسمعه". وكل غرض كفيل بأن يشغّل الذاكرة، ويبلغ التأثير الذروة عندما يظهر أحد الأفراد الذين أجريت مقابلة معهم رسماً ساذجاً لطفل، بعنوان "السماء"، يصور طائرة كبيرة فوق نيران برتقالية زاهية تلتهم الأفق. ويعتمد فؤاد الخوري بطريقة ما المسار نفسه، فيختار صوره الخاصة التي توثّق دمار وسط بيروت كأغراض مفعّلة للأعمال.

يكشف عمل التقييم الفني عن خيط دقيق ينقل إحساساً قوياً بالتنوع، يمزج بين تشابه الممارسة العملية والمصادفات الموضوعية والعلاقات المتبادلة في المنهجية المتبعة. في مجموعة جريج والخوري، في الطابق الثاني من المتحف، وضعت القطع الأولى التي ينبغي رؤيتها بعد المنحوتات الاستهلالية لحسن شريف الظاهرة في بهو الطابق الأول. ويبدو أنه ما من مرحلة انتقالية من أعمال شريف إلى أعمال جريج، المصنوعة من أشياء دنيوية ومواد يومية. تبحث الأكوام الاستهلاكية من أغراض شريف في صناعة الفن والتكرار الممل للإنتاج الشامل في مجتمعنا المفرط الصناعية. في مجموعة أعماله الجارية التي أطلقها في أوائل ثمانينيات القرن العشرين عندما بدأ بالبحث عن بديل للرسم والنحت المعاصرين، أصبحت الأغراض المتواضعة تشكل استعارات. وعلى رغم التزام أعمال شريف وجريج باتجاهات جمالية وسياسية مختلفة جذرياً، إلا أنها تتشارك العنوان نفسه (والمواد الأولية): "الأغراض". تماماً مثل كلمة "العربي". فتلاحظ رشا سلطي: "إن المعاني الاجتماعية والسياسية للعربي تعددية ومتناقضة في مواضع مختلفة... فكلمة "العربي" ترجّع صدى الإجرام في فرنسا، كما الهيمنة في المغرب الأمازيغي، والظالم المهزوم كردستان العراق. ويميّز التنوع معنى "العربي" بقدر ما يعرّف الفن العربي، فيذكرنا القيمون بهذا الاختيار المشهدي.

إثر التقييم السلبي، يستمر المعرض بمجموعة واسعة من الاختلافات حول موضوع الذاكرة التي تردّ على الصور الأرشيفية للخوري - من الذاكرة التاريخية، كما هو الحال في منحوتات سيمون فتال التي تستعيد التاريخ السوري القديم، إلى الذاكرة الشخصية، كما هو الحال في عمل هرير سركيسيان "ساحة الإعدام " الذي يصوّر ساحات عامة حيث يتم بانتظام حتى وقت قريب، إعدام المجرمين في سوريا. عندما كان سركيسيان مراهقاً، شهد عن طريق الخطأ على هذا المشهد المؤلم وقام بتصوير الساحات الفارغة والهادئة، في محاولة لمسح ذاكرته من الصورة المؤرقة التي تسيطر عليها. ويتضمّن الطابق أعمالاً شافية أخرى موجهة إلى المواطنين، مثل أعمال المجموعة الوثائقية السورية أبو نضارة، والمصورة الصحافية الأردنية تانيا حبجوقة، والفنان الكوميدي الإيراني ركني هاري زاده، والفنان العراقي جمال بنجووي الذي يكتب: "في قريتي، لم يكن من تيار كهربائي، فعندما كنت طفلاً، جمعت كل المسنين في بيتي لأسرد عليهم قصصاً عن الحياة والأشياء الجميلة في الحياة. كانت هذه التجربة كفيلة بأن تحشد كل الصور الجميلة في ذاكرتي، وليس فني سوى ترجمة لها. الليلة الماضية، حلمت بهم وبطفولتي. أفتقدهم".

إن الفن العربي، وهو فن قبل أن يكون عربياً، يعتمد على التعبير الذاتي. فيتضمّن الطابقان الثالث والرابع نطاق هذا المجال المعدّ للتجريب الجمالي والاستفزازي، المطبَّق على الممارسات التجارية والوثائقية والمفاهيمية. وتتراوح الأعمال من الصور الاستفزازية الشهيرة لفان ليو وهاشم مدني من أربعينيات وسبعينيات القرن العشرين، إلى مقاربة إيطو برادة المجرّدة لأشكال التصوير الوثائقي وملصقات علي جابري. وممارسة جابري الفنية متجذرة في كراسات الرسم والقصاصات التي يملكها، وهي مليئة بالملاحظات والتأملات والانطباعات من الحياة اليومية، والمقتطفات من القراءات، والمناقشات في التاريخ، وعلم الآثار، والهندسة المعمارية، التي توجه حماس لورانس وجان جينيه. وقد عرضت أيضاً لوحات لأنا بوغيغيان التي تحقق في العلاقات المتبادلة بين الصورة والصوت - في أواخر ستينيات القرن العشرين، قامت بتأليف مقطوعات موسيقية استناداً إلى أصوات المدينة وترجمتها إلى لوحات - ولوحات مروان التي تجمع الحداثة الأوروبية وحكمة الشرق القديم. لا بدّ من الإشارة إلى أن هذه الأعمال القليلة لا تعتمد على التصوير الفوتوغرافي أو الفيديو – وهي نسبة تنطبق أيضاً على المعرض بأكمله، لأنه، على مدى السنوات الخمسين الماضية، كانت هذه التخصصات التكنولوجية الأكثر استخداماً لتشكيل الرأي العام. ومن الواضح أن هذا النوع من الأعمال لم تضع حداً لنهاية الاستشراق باعتبار أنها أكثر وفاء للحقيقة.

 

 

المشاركون:
الصلات إلى لائحة الفنانين في يونيفرسز إن يونيفرس.
أبو نضارة
مؤسسة في العام 2011 في دمشق، سوريا.
إيتيل عدنان
* من مواليد العام 1925 في بيروت، لبنان. تقيم في باريس، فرنسا وساوساليتو، الولايات المتحدة الأمريكية.
ريم القاضي
* من مواليد العام 1973 في بوفالو، نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية. تقيم في بيروت، لبنان.
بسمة الشريف
من مواليد العام 1983 في الكويت. تقيم في بلدان مختلفة.
زياد عنتر
* من مواليد العام 1978 في صيدا، لبنان. يقيم هناك وفي باريس، فرنسا.
مروى أرسانيوس
* من مواليد العام 1978 في واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية. تقيم في بيروت، لبنان.
قادر عطية
* من مواليد العام 1970 في دونيي، فرنسا. يقيم في برلين، ألمانيا.
إيطو برادة
* من مواليد العام 1971 في باريس، فرنسا. تقيم في نيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية وطنجة، المغرب.
أنا بوغيغيان
* من مواليد العام 1946 في القاهرة، مصر. تقيم في بلدان مختلفة.
فؤاد الخوري
* من مواليد العام 1952 في باريس، فرنسا (لبناني الأصل)؛ يقيم هناك.
سيمون فتّال
* من مواليد العام 1942 في دمشق، سوريا. تقيم في باريس، فرنسا وساوساليتو، الولايات المتحدة الأمريكية.
مختار غارابيديان
من مواليد العام 1977 في حلب، سوريا. يقيم في غانت، بلجيكا.
جي سي سي
تأسست في العام 2013 في دبي، الإمارات العربية المتحدة، لها فروع في نيويورك، ولندن، والكويت، وبيروت، ودبي.
فخري الغزال
* من مواليد العام 1981 في أكودة، تونس. يقيم هناك وفي تونس العاصمة، تونس.
تانيا حبجوقة
* من مواليد العام 1975 في عمان، الأردن. تقيم في القدس الشرقية، فلسطين.
ركني حائر زاده
* من مواليد العام 1978 في طهران، إيران. يقيم في دبي، الإمارات العربية المتحدة.
رنا حمادة
* من مواليد العام 1983 في البترون، لبنان. تقيم في روتردام، هولندا.
شروق حرب
* من مواليد العام 1980 في رام الله، فلسطين؛ تقيم هناك.
سوزان حفونة
* من مواليد العام 1962 في القاهرة، مصر. تقيم هناك وفي داسلدورف، ألمانيا ونيويورك، الولايات المتحدة الأمريكية.
وفاء حوراني
* من مواليد العام 1979 في الخليل، فلسطين. تقيم في رام الله، فلسطين.
علي جابري
* من مواليد العام 1942 في القدس، فلسطين. + توفي في عمان، الأردن.
خالد جرار
* من مواليد العام 1976 في جنين، فلسطين. يقيم في رام الله، فلسطين.
لميا جريج
* من مواليد العام 1972 في بيروت، لبنان؛ تقيم هناك.
هوى كاي
* من مواليد العام 1975 في السليمانية، العراق. تقيم في برلين، ألمانيا.
أمل قناوي
1974 – 2012 القاهرة، مصر.
مازن كرباج
* من مواليد العام 1975 في بيروت، لبنان؛ يقيم هناك.
بشرى خليلي
* من مواليد العام 1975 في الدار البيضاء، المغرب. تقيم في برلين، ألمانيا.
مها مأمون
* من مواليد العام 1972 في كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية. تقيم في القاهرة، مصر.
هاشم المدني
* من مواليد العام 1928 في صيدا، لبنان؛ يقيم هناك.
مروان
* من مواليد العام 1934 في دمشق، سوريا. يقيم في برلين، ألمانيا.
أحمد ماطر
 * من مواليد العام 1979 في تببوك، المملكة العربية السعودية. يقيم في أبها، المملكة العربية السعودية.
عبد الحي مسلّم
* من مواليد العام 1933 في الدوايمة، فلسطين. يقيم في عمان، الأردن.
سلمى وسفيان ويسي
* من مواليد العام 1975 و* من مواليد العام 1972 في تونس العاصمة، تونس. يقيمان هناك وفي باريس، فرنسا.
جمال بنجويني
* من مواليد العام 1981 في بنجوين، العراق. يقيم في بغداد، العراق.
محمد العربي رحالي
* من مواليد العام 1956 في تطوان، المغرب؛ يقيم هناك.
مروان رشماوي
* من مواليد العام 1964 في بيروت، لبنان؛ يقيم هناك.
عبدالله السعدي
* من مواليد العام 1967 في خور فكان، الإمارات العربية المتحدة؛ يقيم هناك.
هرير سركيسيان
* من مواليد العام 1973 في دمشق، سوريا. يقيم في لندن، المملكة المتحدة.
حسن شريف
* من مواليد العام 1951 في دبي، الإمارات العربية المتحدة؛ يقيم هناك.
وائل شوقي
* من مواليد العام 1971 في الاسكندرية، مصر؛ يقيم هناك.
منيرة الصلح
* من مواليد العام 1978 في بيروت، لبنان. تقيم هناك وفي أمستردام، هولندا.
سهى طرابلسي
* من مواليد العام 1923 في بيرزيت، فلسطين. تقيم في الشبانية، لبنان.
فان ليوo
* من مواليد العام 1921 في جهان، تركيا. + توفي في العام 2002 في القاهرة، مصر.
آلاء يونس
* من مواليد العام 1974 في كويت العاصمة، الكويت. تقيم في عمان، الأردن.
مشروع تقييمي من مواد أرشيفية وأعمال فنية لعادل عابدين، ومصطفى أكريم، وإيطو برادة، ونيل بلوفة، ومحسن حراقي، ومنى حاطوم، وأمينة منية، وعبد الحي مسلّم
أكرم زعتري
* من مواليد العام 1966 في صيدا، لنان. يقيم
في بيروت، لبنان.

 

Laurence Cornet

Curator and art critic, specialized in photography and video. Lives in New York, USA.

(الترجمة من الإنكليزية: ماري يزبك)

هنا وهناك

16 تموز/يوليو – 28 أيلول/سبتمبر 2014

New Museum
235 Bowery
New York, NY 10002
USA
الموقع الإلكتروني البريد الإلكتروني

يستضيف أكثر من أربعين فناناً من أكثر من 12 دولة من العالم العربي.

نظّمه قسم التقييم الفني في المتحف الجديد في نيويورك تحت إشراف ماسيميليانو جيوني وناتالي بيل وغاري كاريون – موراياري وهيلغا كريستوفرسن ومارغو نورتون.


محتويات ذات صلة:

09
تأثير النضال الفلسطيني على المثاليات والجهود والخطابات عبر الزمان والجغرافيات المجسّدة في الأعمال الفنية والوثائق المرئية. 16 تموز/يوليو – 28 أيلول/سبتمبر 2014، نيوميوزيوم، نيويورك.
 
نَفَس
Back to Top