ليلى العلوي: أبداً في البال

حول المصوّرة الفرنسية المغربية التي توفيت في العام 2016 في الاعتداء الإرهابي في واغادوغو. تعمل أسرتها على إنشاء مؤسسة في المغرب. بقلم هانا كوغل
بحسب: هنّا كوجيل | حزيران 2016

في 15 كانون الثاني/يناير 2016، أقدم مسلّحون من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على الاعتداء على أحد أحياء عاصمة بوركينافاسو واغادوغو. فلاقت المصوّرة الفوتوغرافية ليلى العلوي مصرعها عن عمر يناهز 33 عاماً. وكانت ليلى متواجدة في البلاد بتفويض من منظمة العفو الدولية لتنفيذ مشروع يعنى بحقوق المرأة وبهذا كانت تتبنى المواقف المناقضة تماماً لظلامية الإرهابيين وتعصّبهم.

إن هذه الفنانة المولودة من أم فرنسية وأب مغربي كانت تدرك تمام الإدراك غنى العلامات الثقافية لكل من يحظى بفرصة الاحتكاك بها: مجرّد الانتقال من بلد إلى آخر، ومن لغة إلى أخرى، يثري حياة الإنسان ويعمّق هويته. وبما أنها ابنة أوروبا وأفريقيا على حد سواء، كانت تتعاطف مع أولئك الذين، على عكسها، لا يسمح عبور الحدود بين القارات. ومن شأن مجموعتها التي أصدرتها في العام 2008 "ممنوع المرور" أن توثق حياة الشباب المغاربة وأحلامهم بمستقبل أفضل على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط، في حين أن مشروع الفيديو الذي أنجزته في العام 2015 "معابر" يهدف إلى نقل التجربة المؤلمة للمهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى على متن قوارب بدائية يستقلونها ليصلوا إلى السواحل الأوروبية. في كلتا الحالتين، حاولت تحليل كيفية إنشاء النموذج الطوباوي للقارة العجوز في المخيلة الشعبية الأفريقية.

بعد أن عانت ليلى صعوبات الهجرة الطوعية، شعرت بعمق مأساة منع دخول أشخاص لا خيار لديهم سوى مغادرة وطنهم. ومنذ بداية النزاع السوري في العام 2011، سافرت إلى مخيمات اللاجئين في لبنان، والأردن، والعراق، لتبرز القصص الشخصية الكامنة وراء إحصاءات الشتات الجبري. وبالرغم من كآبة أعمالها في بعض الأحيان، إلا أن قوتها تكمن في تجنّب الوقوع في فخ الإيذاء. فقد كانت تفضل التركيز على الشخصيات النافذة والصلبة، وعلى عزم الناس وكبريائهم في مواجهة العبثية. ولدى الاطلاع على صورها، يستحيل أن يشعر المرء بالشفقة، وإنما بالاحترام والإعجاب تجاه مَن صوّرتهم.

 ينطبق هذا الكلام بشكل خاص على مجموعتها "المغاربة" التي جابت ليلى بموجبها بلد والدها باستوديو نقّال حيث دعت رجالاً ونساء من مختلف الطوائف. فإذا بالصور الكبيرة الحجم الملتقطة على خلفية سوداء اللون تبرز جمال ملامح الوجه، وجمالية اللباس، والتقاليد الثقافية الغنية، ما يشكّل تمثيلاً في مواجهة تصوير المستشرقين التقليدي للمغاربة كشعب متجذّر في التاريخ يعيش في بيئة بدائية. ومن خلال هذا المشروع، وكل المشاريع الأخرى، بدت ليلى العلوي وكأنها تتوخى تحقيق الأثر الاجتماعي نفسه: وهو تفكيك فكرة الهرمية بين الثقافة والناس.

مؤسسة ليلى العلوي

بعد مرور لحظات على إعلان خبر مصرع ليلى إثر الاعتداء الإرهابي، تعالتى التنويه من كل حدب وصوب في مختلف أنحاء العالم. فقد عبّر الفنانون والمؤسسات والشخصيات العامة، عن حزنهم لرؤية موهبة شابة تختفي وهي في عزّ عطائها وإبداعها. وقد كتبت والدتها كريستين العلوي في رسالة التعريف بمؤسسة ليلى العلوي "كانت ليلى وعداً بدأ يتحقق، وقد سلبنا هذا الوعد في أفظع طريقة ممكنة (...) ولكن هذه المأساة لن تثنينا عن العمل وإنما ستبقى مصدر إلهام لنا. وستحرص هذه المؤسسة التي أترأسها على ذلك. أعدكم بذلك."

تتوخى مؤسسة ليلى العلوي الواقعة في مراكش مهمة ثلاثية الأبعاد: الاستمرار في نشر أعمال ليلى الفنية، وتشجيع الإبداع الثقافي والفني في المغرب، وتسهيل وصول الشباب إلى الفنون والثقافة. وفي هذا السياق، أشار شقيق ليلى، سليمان، إلى أنه "منذ كانون الثاني/يناير، وفينا بالالتزامات التي تعهدت بها ليلى، مع مؤسسات مثل بينالي مراكش أو بينالي داكآرت، ولبّينا عدة طلبات لتنظيم تكريمات في المغرب والخارج. وكانت ليلى قد أنهت مشروعين في العامين 2014 و2015 لم يطلع الجمهور عليهما ونعتزم عرضهما في السنوات القادمة. وفي غضون ذلك، نعمل على تطوير برامج وجوائز من شأنها أن تجسّد المحاور الثلاثة من مهمتنا".
 
ترأس المؤسسة عائلة العلوي فضلاً عن ناشطين من الجمعيات والمؤسسات الثقافية، مثل الفنانين ماحي بينبين ومحمد مرابطي. صحيح أن خطة العمل لم تحدد بعد، ولكن كل المعنيين قد أجمعوا على أنه ينبغي أن تصبح مؤسسة ليلى العلوي عنصراً أساسياً في الوساطة الاجتماعية والثقافية في المغرب، تستحدث فرصاً جديدة للسكان المحليين وتعزّز العلاقات مع المؤسسات والفنانين الدوليين. فهذا ما كانت ليلى تعمل عليه بنشاطها المعهود على مستوى العالم.
 كانت ليلى العلوي رئيسة جمعية بلادك بلادي في المغرب التي تعنى بمحاربة العنصرية ضد المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى. وقد عملت مع جمعية نجوم التي توفر الدعم للأطفال المصابين بالسرطان. وفي لبنان، حيث أقامت، عملت مع العديد من المنظمات غير الحكومية، بما في ذلك المجلس الدانماركي للاجئين ومنظمة البحث عن أرضية مشتركة. فلم يكن الربط بين الفن والعمل الاجتماعي سمة طبيعية من سمات شخصيتها، وهذه السمة بالتحديد هي أساس إنشاء المؤسسة.

مهرجان فوتوميد للتصوير الفوتوغرافي المتوسطيّ

من بين كل التكريمات والمعارض المكرّسة لليلى العلوي، يعتبر مهرجان فوتوميد للتصوير الفوتوغرافي المتوسطيّ الأكثر أهمية وعمقاً. يدعو هذا المهرجان الذي أطلق في العام 2011 في مدينة سناري سور مير الساحلية الفرنسية، المصوّرين من أرجاء العالم كافة إلى المشاركة فيه بأعمالهم لتسليط الضوء على التنوّع الثقافي في حوض البحر الأبيض المتوسط. وفي هذا المهرجان، تعرض المشاريع الفوتوغرافية الواحد إلى جانب الآخر للتشديد على نقاط التشابه بين شعوب هذه المنطقة الممتدة من اليونان إلى إيطاليا، ومن الجزائر إلى فرنسا، ومن تونس إلى إسبانيا، فضلاً عن الخصائص التي تجعل من كل ثقافة فردية من نوعها. وبعد نقل المهرجان إلى لبنان، يسعى إلى أن ينشر على مدى المساحة البحرية برمّتها حرصاً على إنشاء شبكة فعّالة من الفنانين المعاصرين في المنطقة.

التقت ليلى العلوي بالمنظّمين فيليب هولان وفيليب سيرينون صدفةً في أحد شوارع بيروت حيث أنهما لاحظا التوافق بين مشروعهما وعملها من النظرة الأولى. ويشير فيليب سيرينون في هذا الصدد إلى أن "المهرجان قد نظِّم لتحرير منطقة البحر الأبيض المتوسط من النماذج النمطية التي غالباً ما تطبعه. وتتراوح هذه النماذج بين الكتيّبات السياحية وأخبار أعمال العنف والتطرّف الديني والفقر من دون أن تبرز أي أفكار بين هذين الحدين. وقد حرصت ليلى على إعطاء رؤية دينامية ومبدعة وإنسانية عن المنطقة، وهذا ما كنا نبحث على نشره". عرض المهرجان مجموعتها "المغاربة" في العام 2014 بالإضافة إلى الفيديو "معابر" في العام 2015.

تخطّت العلاقة بين فيليب هولان وفيليب سيرينون وليلى العلوي التواطؤ المهني. فقد ربطت صداقة حقيقية المنظّمين بالمصوّرة وعائلتها. حتى أن هولان وسيرينون قد انضما إلى أقارب ليلى في مراكش، بعد مرور بضعة أسابيع على وفاتها، لتبادل الذكريات كما وجهات النظر حول مستقبل إرثها. وسرعان ما تقرر أنه بدلاً من تكريس فوتوميد لبلد بأكمله، كما جرت العادة، ستخصّص طبعة 2016 لليلى. ولكن المنظّمين وأفراد الأسرة بحثوا عن وسيلة مبتكرة وذات مغزى لتكريمها لأنه سبق أن عرضت أعمالها كافة.

في ذلك الوقت، ذكرت والدة ليلى كريستين صورها الخاصة. فقد سمحت لابنتها أن تبحث في أرشيفها الشخصي وتختار 16 صورة عملت ليلى على تنقيحها فيما كانت في واغادوغو وطلبت من والدتها أن تعطيها صوراً أخرى لإعداد معرض فيها. ولكن مهرجان فوتوميد وكريستين العلوي اختارا عرض 16 صورة فقط لتحويل ليلى بعد وفاتها إلى القيّمة الفنّية على معرض والدتها بعنوان "مزيج". وقد اعترفت كريستين العلوي بأن "خوض هذه التجربة من دونها مؤلم بالنسبة إليّ ولكنني أشعر بأن ليلى قد تركت لي إرثاً أو وصيّة وأحتاج إلى أن أقوم بهذا الإنجاز من أجلها". والجدير بالذكر أن صور كريستين الملتقطة في سبعينيات القرن العشرين فيما كانت تقطن بين نيويورك والمغرب، تجسّد نظرة حريصة على الحياة من جهتَي المحيط. وهي تحتفل بإنسانية عابرة للثقافات كفيلة بأن تقوّي الصلة بابنتها.

 

 

هنّا كوجيل

مولودة في باريس، فرنسا. بعد دراسة التاريخ المعاصر في لندن، تعمل كصحافية مستقلة ومخرجة.

(الترجمة من الإنكليزية: ماري يزبك)

مؤسسة ليلى العلوي

40 000 مراكش
المغرب

مهرجان فوتوميد للتصوير الفوتوغرافي المتوسطيّ

26 أيار/مايو – 19 حزيران/يونيو 2016

سناري سور مير، فندق الفنون تولون

سود سانت بوم، إيل دي زامبياز

فرنسا

 
نفس
Back to Top