البحث عن صوت التميّز

معرض في مركز مرايا للفنون، الشارقة، 1 آذار/مارس – 15 أيار/مايو 2015. نص تقييمي لمرتضى فالي وجولة بالصور بالإضافة إلى أعمال 15 فناناً.
بحسب: مرتضى والي | نيسـان 2015

مع تزايُد وتيرة السرعة في التبادل الثقافي، والإنساني، والمعلوماتي عالمياً، تزداد معها لهجةِ تفاعلاتنا اليومية. وبما أنّ العولمة تعِدُ بالتجانس، والشفافية، والفهم المتبادل ما بينَ الثقافات المختلفة، تبقى اللهجة لِتُذكّر بالإختلافات الواضحة الموجودة وتتحدى بوجودها الإدعاءات التي تقول إنّ العولمة محت جميع الإختلافات. تُوثّق اللهجة وجود المبهم والغامض في الثقافات المُتعدّدة، فهي لا تستمدّ خصائصها من اللغةِ فحسب، بل تتجاوز عنها بمساحات أوسع، إلى الصورة والصوت، وتوظّف لِتزيين تلك الإختلافات والتعبير عن الثقافات المختلفة. حتى تشكيل اللهجات يضفي على الحروف بُعداً آخراً، ويتوسط بين اللغة المكتوبة والمنطوقة.

هذا المعرض لا يطرح اللهجة كظاهرة لغوية فقط، بل يتجاوز عنها بمساحات أوسع، إلى الصورة والصوت والروائح التي تلهمها اللهجات. اللهجة أيضاً تُعرّف على أنّها تتناقض تارةً وتُكمّل تارةً أخرى دور الزخرفة التي تُزيّن الإختلافات، وتُعبّر عن الثقافات المختلفة عن طريق تَملكها للجسد والمساحة المحيطة. لدولة الإمارات العربية المتحدة خصائص ديموغرافية متعدّدة الثقافات، ما ساهمَ في خلْق مساحاتٍ ثقافية واجتماعية بلهجةٍ خاصة بها. وعند النظر إلى هذا المعرض بمنظورِ اللهجة وخصائِصها، فإن تلك الأعمال تُلقي الضوء على جوانبَ عِدّةً لهذه الحالة المعاصرة وتَكشفُ عن خصائص أُخرى عالمية.

 اسمع صوتها

في حين ترتبط اللهجات عادةً بالكلام، فإن علامات تشكيل اللهجات شائعة في أكثرِ من لغة، ما يُوسّع من نطاق الأبجدية. ففي عمله كخطّاط، يبحث  بوران جنشي عن العلاقة ما بين النصوص والأصوات في اللغتين الفارسية والعربية. وفي عملِه "تجويد #2" [سورة آل عمران] (2007) ، ينقل الفنان علامات التشكيل فقط من السورة على لفافةِ ورقٍ كبيرة دون استخدام الحروف الخطّية. فتتحوّل النصوص القرآنية إلى رموز تشبه رموز شفرة مورس. يتم في هذا العمل إفراغ المعنى من اللغة وتجريدها إلى تشكيلٍ فقط. والتجويد هو عملية للحفاظِ على القرآن و قراءته عبر الزمن وبإختِلاف اللغات التي يتحدّثها قراؤه من خلال نمطٍ مُتّفقٍ عليه. هذا النظام بالقراءة هو ما يُميّز اللغة العربية الفصحى من غيرها. وعمل جنشي يؤكد لنا أن إختفاء تلك الرموز من اللغة اليومية هو ما سمح للتنوّع الغني في اللهجات المحلية بجميع أنحاء العالم العربي.

إنّنا نادراً ما نُفكّر في التكنولوجيا تمتلك لهجة خاصة بها، على الرغم من أن الإستخدام البسيط لمُحرّك البحث "غوغل" ينفي هذا الإعتقاد. وفي عَمله الفنّي "بدون اسم"، يتحقّق  جاريت فاديرا من هذه العلاقة بين التكنولوجيا واللهجات من خلال برنامجٍ صوتي متوفر تجارياً بصوتِ امرأةٍ باللهجة الهندية. في تمازجٍ غريب بين تقدّم التكنولوجيا وبقايا اللهجات العنيدة التي تبقى مُصرّة على محليتها. وباستخدام هذا النموذج المألوف والغريب في آنٍ واحد، يقرأ البرنامج نصاً حول اللهجات تم تجميعه من موقع "ويكيبيديا"، ويتحدى الفنان بِهذا العمل افتراضاتنا حول العلاقة ما بين الصوت والجسد.

بينما تُظهر الكثير من الأعمال في هذا المعرض اللهجة باعتبارها عاملاً قوياً وعنيداً للإختلاف، يأتي عمل  لورنس أبو حمدان "حرية التعبير بذاتها" (2012) ليطرحَ فِكراً مغايراً. فيُسلط الضوء بعمله على اللهجة بكونها أداة للتحيّز والظلم. ففي عمله يلقي الضوء على ممارسات الحكومة في المملكة المتحدة من خلال دراستها لطلبات الهجرة واللجوء باستخدام التحليل الصوتي. فتقوم الحكومة بتحليل لغة ولهجات طالبي اللجوء عن طريق خبراء ومسؤولين لغويين من مصادر خارجية مقرّها في بلدانٍ أخرى، وكثيراً ما تُجرى بسرعة عبر الهاتف، وقد أدت هذه الممارسة، المفترضة علمياً والمعيبةُ أساساً، إلى العديد من عمليات الترحيل غير مشروعة. العمل يعرض شريطاً صوتياً في غرفة مظلمة تضمّ نُسخاً صوتية من شخصين مختلفين كل منهما يقول كلمة "أنت" في اللغة الإنجليزية. باستخدام فلين يستوعب الصوت، تخلِق الأصوات خرائِطَ صوتية وتجربة فريدة من نوعها.

 التراث كلهجة

قُدّمَ هذا العمل لأولِ مرة جنباً إلى جنب مع عمل جزر (2010)، وهو خريطة مزخرفة لدبي رُسِمت مباشرة على جدارٍ في جاليري الخط الثالث، وبيعت في مزادٍ يشابه مزادات العقار. بَدأ عمل عباس آخفان على ورقة (جميع 2010) بدت كصورة منسوخة ورخيصة إلى حدٍ ما من مختلف القصص الأنثروبولوجية والتاريخية لمنطقة الخليج. بها ملامحَ من الحياة التقليدية ما قبل النفط، وثقافةِ صيد اللؤلؤ، وتاريخ البدو والرعي، والذي زيّنه آخفان بعناية باستخدام أوراق الذهب الثمينة. وهكذا عندما تختفي الصورة المنسوخة مع مرور الوقت، تبقى التفاصيل المذهّبة لامعة. من هنا، ينظر هذا العمل في تلاشي التراث الثقافي مع مرور الوقت وبقاء أجزاء منه لامعة كعناصِر أساسية في بناء العلامة التجارية للمنطقة، ويتم من خلالها نسيان السياق الأوسع والتاريخ المرتبط بذلك التراث.

عندما نُفكّر بالعطور فإننا غالباً ما نربطها بشكلٍ وثيق بالإستمرارية. فالرائحة القوية يمكن أن تبقى حتى بعد غياب الجسم الذي يحملها. فحاسة الشم هنا تُصبح ظاهرة خارقة لرائحة العطر الذي لا يُرى. والعطر مألوفٌ جداً في منطقة الخليج، حيثُ أنّ هناك ارتباط وثيق من الرجال والنساء به، وخاصةً بالعود والمسك اللذين يعتبران من الخصائص الثقافية والتراثية الأصيلة .[1]  وفي عملها "هالة العود" (2015)، تقوم الفنانة رجاء خالد بإعادة هذه التجربة الحسية باستخدام مُعطّر للجو صناعي ينشر رائحة العود المُصنّع بانتظام. ترافق هذا العمل صفحتينِ عن إنتاج العود الإصطناعي. ويجدُر بالذكر أن العود الطبيعي شاق الحصاد وباهظ الثمن وقد تمّ استبداله في صناعة العطور بالعود المُصنّع. ويلقي هذا العمل الضوء على تصنيع التراث وتسويقه بأبسط الطرق.

 المساحة والمكان

 وثّق عمار العطار الحائط الذي يتجه نحو القبلة بغرف الصلاة في جميع أنحاء دولة الإمارات العربية المتحدة، في سلسلة من الصور الفوتوغرافية التي تلقي الضوء على المتطلبات الأساسية لأداء شعائر الصلاة في الإسلام. وهي محراب بإتجاه مكة المكرمة، ومساحةً لأداء الصلاة جنباً إلى جنب مع باقي المصلين، وساعة للتعريف بأوقات الصلاة، ورفوف لوضع نسخٍ من القرآن الكريم، وميكروفون للإمام. ولكن هنالك أيضاً اختلافات كبيرة بعضها خفي والآخر صارخ تكشف عن طبيعة تلك الأماكن ومرتاديها من المصلين. فمثلاً في مراكز التسوق مثل مردف سيتي سنتر ودبي مول، زُيّنت الغرف بسجادٍ نظيف وإضاءة مريحة تتناسب مع جمالية العولمة والليبرالية التي تتسم بها تلك الأماكن، وهنالك أيضاً غرفة الصلاة في مطعم عمر الخيّام بالذيد التي تتّسم بالبساطة، فحائط القبلة مغطّى بالسيراميك وبستائر حمراء تمنع أشعة الشمس من الدخول إلى الغرفة، وحصيرة رخيصة من البلاستيك للصلاة. وفي عمله، يوثّق العطار الترابط ما بين العمارة والمكان وتأثيرهما على ممارسة الشعائر الدينية.

ومع الحرص على التركيز على غير الإعتيادي، تعكس أعمال  فرح القاسمي مظاهر الحياة في دولة الإمارات العربية المتحدة، ليس من خلال آفاق الحياة الحقيقية، ولكن بالتخيّلات التي ترسم المساحات بنظرات محلية. فتركّز القاسمي على الفراغات بين الجذور والحرية، والتي غالباً ما تفشل في الوصول إلى العالمية. ففي عملها "الملحمة" (2014)، تقف جبال الألب كخلفية جميلة لبالوعة قذرة مليئة بنفايات وبقايا اللحم من يوم حافل من الذبح في الملحمة. وكأنه يعكس محاولة متواضعة للهرب من مساق الحياة اليومية والواقع المحلي. وفي علامة ماكدونالدز القديمة (2014)، تتأمل القاسمي الآثار غير المكتملة للعولمة عن طريق شبح الأقواس الذهبية الذهبية الشهيرة لماكدونالدز على جداربجانب طريق سريع. أما عمل "قصور رملية مكسورة" (2014)، فيقاوم رغبة الفنانة في تصوير أفق دبي الشهير، وتقّدم بدلاً من ذلك، نحتاً رملياً مشوهاً يشكك في هيبة النموذج الأصلي. وتشير أعمال القاسمي إلى أن تحديد الهوية في دولة الإمارات العربية المتحدة عملية صعبة المنال.

أما عمل  لانتين إكزي فيركّز على الكافيتريات التي لا تُعد ولا تحصى في جميع أنحاء دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي الأماكن التي تُعبّر عن العالمية الحقيقية لهذه البلاد. فقوائم الطعام الخاصة بها هي مزيجٍ من المأكولات المختلفة، وأصحاب تلك المحلات يتحدثون لغاتٍ عدة ومن خلفياتٍ قومية وعرقية وثقافية واجتماعية واقتصادية مختلفة. وعلى النقيض من المطاعم الشهيرة في الفنادق الفاخرة التي تزدهر بها دبي، والتي تلبي بالمقام الأول السياح والنخب في المجتمع، فإن هذه المنشآت البسيطة هي عوامل توحيد وتبسيط الإختلافات في المدينة. ففي عمل "غابة السرخس رقم 4" (2015)، يصنع الفنان نصباً تذكارياً متواضعاً لهذه التعددية الثقافية المحلية، ويضمنه جزءاً من حائط لكافتيريا "كل واشرب" في الحي الذي يقطنه الفنان إكزي: جدارٌ أخضرٌ مستخرجٌ من بيئته الأصلية ومعروضٌ في المعرض ليرمز إلى استيعابه للجميع، ويبدو كجدارٍ روحي صيني.

 الأبجدية، والمعادلات، والرموز

 العمل الفني للفنان عبد الله السعدي "الأبجدية" (1990-2013) هو كتاب مصنوع يدوياً يعرض سبعة حروف جديدة (ستة منها مستوحاة من اللغة العربية وحرف واحد من الإنجليزية)، طوّرها الفنان في العقدين الماضيين. استلهم السعدي عمله من المنطقة المحيطة به في خورفكان، واستمدّ منحنيات وخطوط وأشكال بعض الحروف من أشكال الحيوانات مثل الحمار، والحروف الأخرى مستوحاة من أشكال الطيور والبشر. ومن خلال هذا العمل، ترجم الفنان بيئته المحيطة به إلى نظامٍ لغويٍ جديد، ليذّكرنا بأن اللغة تستمد حروفها من الصور، وأن اللغات ما هي إلا انعكاساتٍ من السياقات الاجتماعية والثقافية والمادية.

أحد الحروف الجديدة المبتكرة للسعدي مستوحاة من البطاطا الحلوة المتواضعة. نبتةٌ جذرية تخرج من البيئة التي ترعرع بها، والتي من أشكالها استمدّ الكثير من أعماله الفنية. سلسلة "بطاطا حلوة وعارية" (2000-2010) بدأت من فهرسة الفنان للأشكال المختلفة للبطاطا، والتي وثّقها بالرسومات باستخدام الحبر، والألوان الزيتية، والنحت على الصخر، وقوالب الطين. وفي عام 2013، وكجزء من مشاركته في معرض "تعابير إماراتية: رؤية تتحقق"، حوّل السعدي هذه الأشكال إلى أربعة وعشرين قطعة من الذهب المستوحى من الطبيعة التي نشأ بها.

ومن المعدنِ أيضاً، هناك عمل فني لجنشي تحت عنوان "مطروق" 7 و8 (2014)، يتكوّن من لوحة نحاسية تُمثّل صفحة من "البومة العمياء" التحفة الأدبية التي كتبها صادق هدايت، وهو نصٌ مروع يتمرّد على حتمية الموت ويفترض بأنها المحرّك الحقيقي للحياة. جنشي يدق النقاط فقط على اللوح ما يخلق نمطاً أشبه بطريقة بريل وتلتقط تلك النتوءات الضوء وتلقي ظلالاً صغيرة ما يجعل من اللمسِ لغةً مقروءة.

وبسبب اهتمام فاديرا بأوجه الشبه بين الخلايا العصبية في الدماغ وخلايا الإنترنت، يستخدم الفنان معادلات الإنترنت لتركيب لهجة جديدة للغة. وفي عمل "الملف غير موجود" (2013)، أنشأ فاديرا مجموعة شبيهة باللغة الهيروغليفية المصرية بطريقةٍ معاصرة، وذلك عن طريق البحث في محرك البحث عن الصور في "غوغل" واختيار صور معيّنة لِتُمثّل تلك الكلمات. النتائج غير متوقعة ويستخدمها الفنان في فيديو يتكرر تظهر به الصور مع الكلمات في نصٍ يبحثُ في الحياة والموت.
وفي عمله الآخر "حتى اللامكان هو مكان" (2015)، يستخدم الفنان استراتيجية مماثلة للكلمات الفردية في عبارات تلعب الصور المُستخرجة دوراً في إلقاء الغموض على معناها وتصبح قابلة لتفسيراتٍ عدة . وأخيراً يضع الفنان خريطةً للعالم غير مرئية للدلالة على أصل كل صورة وملف، محاولاً تسليط الضوء على التوتر بين الإفتراض والحقيقة وتزايد الإعتماد على مُحرّكات البحث لفهم العالم الذي نعيش فيه.
 مبادرات عامية

 أعمال فيكرام ديفيشا تلفت الإنتباه إلى الجوانب غير المرئية في أعمال البناء بدولة الإمارات العربية المتحدة. ويتعاون الفنان مع السلطات والبلديات المحلية للعمل مع العمالة الوافدة في بناء وتطوير البيئة المحيطة. وفي عمله "نحت المقاومة" (2015)، وهو أول مشروعٍ عامٍ له في الشارقة، استطاع ديفيشيا، استناداً إلى مهارته الفنية، أن يغيّر نظام واجهة المجاز المائية بإدخال عناصر جديدة من شُجيرات مشذّبة بدّقة. وعندما حصل على إذنٍ رسمي من بلدية الشارقة، بدأ الفنان بالتعاون لمدةِ شهرين مع المزارعين الباكستانيين المسؤولين عن الحفاظ على الحديقة، وأقام سلسلة من ورشِ العمل لتعليم الرسم لهؤلاء المزارعين، حيث طُلِب منهم رسم تخيلاتهم وتصوراتهم عن ما يُعدٌ جميلاً في محيطهم. ومن هذه المجموعة من الرسومات، اختار الفنان تصاميم جديدة للأسوار الخضراء، وحرص على تنفيذها لعرضها في الحديقة خلال فترة المعرض. واستطاع الفنان بعمله تحويل التغيير من البلدية إلى المزارعين، وتحويل الأعمال اليومية إلى تصاميم مبتكرة، ما يساهم في إعطاء العمال فرصة التعبير عن وجودهم.
في مركز مرايا للفنون، يعرض الفنان بعض الرسومات، ومخلّفات المشروع، ما يخلق جواً مختلفاً للمساحة في المعرض.
"الرسالة"، الفيلم الشهير للمخرج السوري الأمريكي مصطفى العقاد أُنتج عام 1977 في نسختين: بالعربية والإنجليزية عن سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. ومع تكرار النص، والمشاهد، والتصوير السينمائي في الفيلمين، اختلفَ طاقم العمل ليعكس اللغة المُختارة في الفيلم.  وفي عمله " مشروع الرسالة" (2010)، يقوم الفنان فيصل بغريش بدمج النسختين من الفيلم لخلق نسيج لغوي يتجاوز الفروقات. بمزج النسختين، استطاع الفنان أن يَشدّ انتباهنا إلى لغة الجسد، والحركات، والتناغم الجسدي الذي يُثبت أن اللغة تتجاوز النطق.

وفي العمل الفني "المنطقة الحرة للعبارات" (2015)، وهو كتاب تم انتاجه خصيصاً ليضمّ مجموعة من المقالات التي تتحدث عن اللهجات والإيماءات في اللغة، ومن بينها "كيف ساهمَ توتر ما بعد التقسيم في شبه القارة الهندية، في تقسيم العامية المشتركة الهندوستانية إلى الهندية والأردية". و"الأصوات اللغوية المالايالامية وكيف يتردّدُ صداها في وعبر الخليج". و"توجهات وعيوب توظيف العامية في بناء الجملة غير الغربية والكتابة بها". و"تَغيّر فكرة "الأفرو" من المعارضة السياسية لمجرد اسمٌ تجاري للهوية العرقية". و"دراسة المفردات المتفاوتة - من حركات اليد في إيطاليا التي تتضمّن العداء للأجانب إلى التضامن مع المهاجرين". و"تاريخٌ موجز للغة الإشارة الإماراتية".

 بيوت وحدائق أفضل

العمّال والخدم غالباً ما يكونون غير مرئيين. وعلى الرغم من دورهم الأساسي بالحياة اليومية في جميع أنحاء دول الخليج، نادراً ما يظهرُ هؤلاء العمّال والخدم المهاجرون في الثقافة الشعبية بالمنطقة. فعلى سبيل المثال، المسلسلات المنتجة في المنطقة، والتي تحظى بشعبيةٍ كبيرة، وخصوصاً في شهر رمضان المبارك، تُظهرُ منازلَ باهظة، وديكوراتٍ مترفة، وسياراتٍ فاخرة. ولكن الخادمات والطباخين والسائقين وعمال النظافة، من جنوب وجنوب - شرق آسيا، الذين يعملونَ في هذه المساحات، غير موجودين. في عملها الفني "الصابون" (2014)،  تقوم الفنانة القادري بإعادة تقديم هذه السيناريوهات من خلال وضع تراكيب للعمّال على لقطاتِ المسلسلات، ما يُغني المشهد تماماً. هذه الأجساد الصامتة استطاعت أن تُثري النصوص الأصلية بصرياً، مضيفةً لهجات أخرى إلى الحوارالعام باللغة العربية. ويتحوّل انتباهَنا عن الميلودراما إلى تناقضات المشهد في إشارةٍ لتزايد أنماط الحياة الاستهلاكية التافهة بمنطقة الخليج.

 أما أعمال خالد بلاتبفلانزين الأول والثاني (كلاهما 2015)، التي تعني بالألمانية "النباتات الورقية"، فتتكون من طبعات للوحات من موسوعةMeyers Großes Konversations-Lexikon من عام 1897، و هي موسوعة باللغة الألمانية نُشرت في لايبزيغ وفيينا. يقوم الفنان بإِعادةِ تصويرها وتوسيعها بعناية على صحونٍ، ويُضيف مربعاً مؤطّراً يُشبه النافذة. وعلى هذه الصحون تفاصيل لمجموعة من النباتات التي عادةً ما تتوفر في البيوت.
هذه الطبعات هي جزءٌ من التحقيق الجاري الذي يقومُ بِه الفنان عن جانب من جوانب حياة الترف، وهو البحثُ في تاريخ الممارسات الحديثة في الديكور، والتي نمت في قرونٍ من الاستعمار الأوروبي، الذي أنشأ شبكة التجارة العالمية التي جلبت السلع الغريبة والثمينة من المستعمرات البعيدة إلى أوروبا والعالم الجديد. وثمّة عنصرٌ رئيسي في بروتوكولات الديكور الداخلي وهو النباتات المنزلية الهجينة، والتي تعيشُ في منازلٍ بالمناطق الباردة أو في الصحراءِ القاحلة.
 أما آخفان وعمله "بدون اسم" فيتكون من شراشف قماشية رخيصة، مزيّنة بالأزهار الملوّنة ومصدرها سوق الأقمشة بالشارقة. وعلّق الفنان القماش عالياً من سلك مُثبّت على عمودين في واجهة المجاز المائية.
حجم القماش كبير وعلى الرغم من لين القماش إلا أن أشكاله المستطيلة ترمزُ إلى أعمال ريتشارد سيرا من الصفائح المعدنية. عمل الفنان الذي يشابه غسيل الملابس العملاق في الحديقة، يقاطع الروتين المنّظم للحديقة وترتيبها، وذلك لِإلقاء الضوء على رمزية الإزدواجية ما بين الخارج والداخل، والطبيعي والمصنوع.
 الهندسة المعمارية والنفوذ

العمل الذي يتمثل في ثريا كريستال مقلوبة لإيمان عيسى ويحمل عنوان "طلب لبناء بناية كريستال" (2014)، كانَ اقتراحاً في الأصل لميدان التحرير بالقاهرة. هيكل غير مُتوّقع تماماً، ومضيء لإحياء فضاء ومساحةٍ عامّة. تمّ اقتراح هذا المشروع قبلَ عقْدٍ من انطلاق الثورة في الميدان. وتتساءل الفنانة عن كيفية وجود هذا المبنى المفترض أثناء المظاهرات، وتؤمن بأن هذا العمل يتناسب بِسهولة مع المدن الخليجية، المزدهرة بالرموز المعمارية. وفي سياق هذا المعرض، يبحثُ العمل عن تطور العمران في الخليج خلال الربع الأخير من القرن العشرين، فهيَ لم تعد رؤية مستقبلية ولكنها الواقع الحالي.

اسم المجموعة هو اختصار لمجلس التعاون الخليجي، وهي منظمة حكومية مكرّسة لتعزيز التعاون الإقليمي،  ومجموعة جي. سي. سي تتكوّن من ثمانِيةَ فنانين يتبنوّن استراتيجية وطقوس المجلس لمناقشة الثقافة المعاصرة. وتركزأعمالهم على كيفية التعبيِرعن القّوة والسُلطة في المنطقة من خلال بروتوكولات معقدة من البيروقراطية والدبلوماسية. ويتمّ التعبير عنها بوساطةٍ من خلال الهندسة المعمارية والتصميم الداخلي.

 الشكل باء: مجلس مُصغّر (2013) هو نموذج مصّغر ُمفصّل للغاية من طاولة المؤتمر السُداسية المستخدمة في القِمّتين الأخيرتين للمجلس. تقليص الحجم الأصلي إلى حجمٍ أقل رهبة يسمح بفهم وتحليل السلطة والنفوذ. وتجمع الأعمال عناصرَ مٌختلفة من التقاليد الزخرفية الشرق أوسطية والأوروبية، ما يكشف هذا الخليط الهجين عن ديناميكيات السُلطة والسياسة في الخليج العربي.

 الشوق للإنتماء

عادةً ما يتفاجأ سائقو السيارات - وفي وقت الشفق غالباً - من رؤية الطاووس على جانب الطريق بالقرب من قصر زعبيل. طيورٌ راسخة ترمِزُ إلى الملكية في العديد من الثقافات. وفي "تحنيط الطاووس" (2014)،  يرمِز لاتيان زي عن العلاقة المعقدة له في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو الوَطن الذي لا ينتمي إليه ولكنّه أيضاً غير قادر على الطيران بعيداً عنه.
وإذ يرثي زي في "تحنيط الطاووس" رغبةً بدون مقابل على الانتماء، فإنه في عمله التركيبي الآخر "الكابتن ماجد" (2015) يؤكد شعوره القوي بالإنتماء. فالنسخة العربية من سلسلة الرسوم المتحركة التي أُطلِق عليها اسم "الكابتن ماجد"، هي بالأصل من فن المانغا واسمها "الكابتن تسوباسا". وتُعيد هذه الرسوم المتحركة ذكريات الطفولة خاصةً لأولئك الذين تربوّا بالخليج العربي في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن العشرين، وقبل آثار العولمة. [2] ولصبيٍ صيني نشأَ في الخليج، مثل الفنان إكزي، فإن الصوت العربي الذي يصدر من الكابتن هو مريحٌ جداً للفنان.
هذا العمل أيضاً يتضمّن صوت أمل حويجة التي تحاول غناء الشارة باللغة الأصلية، ويحتوي كذلك على بطاقة بريدية تحمِلُ رفض التعاون من يوكو وجاي، الذي يمثل الكابتن ماجد في النسخة اليابانية من المسلسل. [3] هذا العمل يلقي الضوء على أهمية الدور الذي تلعبه الثقافات المتبادلة في ترسيخ التنوع الثقافي بين الأطفال، من مختلف الجنسيات، ومنحهم ما يُبقي الوطن حياً في ذاكرتهم.
***
"مع اختلاف أحجامِهم وأشكالهم، فإن هذه الأعمال في المعرض ترجعُ بالفضلِ إلى اللهجة وقدرتها على اختزالِ المكان والزمان، و خلق شعورٌ من الخصوصية والإنتماء، متحديّةً العولمة في ذلك. وعلى الرغم من
أنّ اللهجات قد تختفي، فإنها أيضاً تتحدى جمعها مع غيرِها وتُعاند لتبقى حاضرة. وكما قال العالم شكرافورتي سبيفاك أن المُهمّش إن استطاع الكلام فإنه عن طريق اللهجة - نوعٌ من التعبير الذي يُستمدّ من اللغة و لكنه لا يرتبِطُ بها - فإنه قَد يُسمع". [4]

مرتضى والي

كاتب ومؤرخ فني وقيم. يقيم في الشارقة في الإمارات العربية المتحدة، وفي بروكلين في الولايات المتحدة.

نص تقييمي، منشور في دليل معرض لهجات. تشكر مجلة نفس مركز مرايا للفنون في الشارقة ومرتضى فالي للسماح بإعادة نشر النص.

لهجات

1 آذار/مارس – 15 أيار/مايو 2015

مركز مرايا للفنون

القصبة
طريق التعاون
الشارقة
الإمارات العربية المتحدة

القيّم الفني: مرتضى فالي

 

المشاركون:

لورنس أبو حمدان

عباس آخفان

عمار العطار

فيصل بغريش

فيكرام ديفيشا

مجموعة جي. سي. سي

إيمان عيسى

بوران جنشي

رجاء خالد

منيرة القادري

فرح القاسمي

عبد الله السعدي

الحالة

جاريت فاديرا

لانتين إكزي

 
نفس
Back to Top