أسامة محمد: مرونة وإبداع شعري رغم كل الصعاب

مرونة وإبداع شعري رغم كل الصعاب. حول المخرج، وآرائه العميقة والراسخة ورؤاه الشعرية، ودوره الأساسي في ساحة الإنتاج السنيمائي في سوريا. بقلم ليزا ويدين
بحسب: Lisa Wedeen | شباط 2016

إن أسامة محمد هو أحد أهم المخرجين السوريين وقد تميّز أسلوبه الإخراجي بإنتاج أفلام تتراوح بين التعليقات النقدية الساخرة إزاء النظام والأفلام شبه الوثائقية التي تتحدى القواعد التقليدية لهذا النوع من الأفلام. ولعل "نجوم النهار" (1988) هو أكثر الأفلام أهمية على مستوى النقد السياسي من بين الأفلام التي أنتجت يوماً في سوريا. فهو يتخطى النقد الثاقب والموحي ليشكل حبكة درامية ليست إلا استعارة مقنّعة للسلطة السياسية وعبادتها لشخص الرئيس الراحل حافظ الأسد. وفي الفيلم، يصوّر محمد الأزمة الأخلاقية لأسرة علوية ريفية، انتقل بعض أفرادها إلى المدينة، فإذا بهم يستسلمون للحياة الحضرية وفساد السلطات الرسمية. وبهذا، تمثل هذه الشخصيات ابتذال النظام ووحشيته، مع الإشارة إلى أن بطل الرواية - الذي يشبه الرئيس السابق إلى حد بعيد - هو الأخ المهيمن على العائلة والمتحكّم بها والبخيل وبحكم الأمر رأس الأسرة. ويُدرج الفنان هذه الحبكة في إطار يربط فيه صراحة الحياة الأسرية الأبوية بالحكم العسكري والعنف السياسي. واستناداً إلى معرفته بالخصوصيات الطائفية والإقليمية، يقدّم محمد محاكاة ساخرة لفراغ الخطاب الرسمي، فيما يعبّر عن حزنه على الريف الجميل ولكن غير الصالح للسكن. فبغض النظر عن الخلافات العائلية الصغيرة والعنف الأبوي، لا تقدّم الحياة الريفية أي ملجأ لسكّانها، حتى في الوقت الذي يتم فيه تحجيم التخيّلات الجماعية للانتماء الوطني لتقتصر على شعارات تافهة - تخلو من الأمل أو الإحساس بالانتماء إلى المجتمع كما كانت الحال في الأيام الأولى من الحكم ما بعد الاستعمار. وقد شكّلت هذه المواضيع – ولا سيما العنف الأبوي وسوء الأحوال في المناطق الريفية – المادة التي كرّسها محمد في فيلمه الأول المذهل الذي يمتاز بالشجاعة "خطوة خطوة" (1979)، وهو عمل تجريبي أنجزه كمشروع ختامي لينال شهادة الماجستير في موسكو. وفي هذا الجهد الكبير الأول، عمل محمد على تمويه الحدود التقليدية بين الفيلم الوثائقي والفيلم الخيالي لينتج عملاً شعرياً بارعاً ما زالت الحساسيات الجمالية والسياسية التي طرحها فيه تلهم الأجيال الجديدة من المخرجين السوريين.

جسّد محمد مفهوم تجاور الجمال والعنف في الحياة اليومية في "صندوق الدنيا" أيضاً (الذي ترجم عنوانه بشكل ملفت إلى اللغة الإنكليزية بـSacrifices أي التضحيات، 2002)، وهو يروي قصة نزاع عائلي في الريف الساحلي السوري. ومع أن هذا الفيلم لا يعتمد التحليل السياسي الصريح بقدر "نجوم النهار"، إلا أنه يركز على جد يريد أن يعطي اسمه لأحد أحفاده الثلاثة ولكنه يموت قبل تحقيق رغبته، حاكماً على الأطفال أن يعيشوا بلا اسم. ويجد كل حفيد معنى وجوده ولذته بطرق مختلفة على مدار حكاية شبه استعارية للضعف البشري والسلطة السياسية وإغراءات العنف. فيمارس الطفل الأول ضبط النفس ويلوذ برباطة الجأش، في حين أن الثاني يلجأ إلى الحب، ويسترسل الثالث في القسوة والنزوات. وبهذا، يسلّط الفنان الضوء على السلطة الفاسدة، حتى في الريف، ويكون الجمهور شاهداً على جمال الحياة ووحشيتها في آن معاً. وإذا كان رمزا الخصوبة والانفتاح يشيران إلى قوة التجدد في هذا العمل، فإنهما يتسببان بنشوء إحساس بالحصار والسجن، كما في صندوق الدنيا المظلم حيث أن الضوء ينساب من المشهد الخارجي عبر فتحة في الصندوق ليولّد صورة مقلوبة.

يستخدم محمد في كل أفلامه رموز النفوذ السياسي ولغته لتفريغ الأنظمة الرسمية من أي مغزى مزوّداً عمله السينمائي بشعور عميق بالنزوح ينبع من معرفته المكان حق المعرفة. وقد وجد هذا النزوح التجسيد المأساوي له في المنفى القسري الذي فرض على المخرج منذ العام 2011، كما في الجهود الفنية التي أخذ يبذلها للتعامل مع التحوّل من الاحتجاجات السلمية إلى الحرب الكارثية.

إن "ماء الفضة (صورة ذاتية لسوريا، 2014) هو عبارة عن سلسلة وقائع تتأرجح بين الإمكانيات السياسية والأحزان المؤلمة. ينقسم إلى قسمين، يبدأ القسم الأول بصور التقطها سوريون بهواتفهم الجوّالة في المظاهرات السلمية التي أخذ النظام يرد عليها بشراسة، هي لقطات تروي قصة شجاعة مستمرة ومثابرة ضارية في مواجهة الجهود الحثيثة لتدمير هاتين الصفتين على حد سواء. في القسم الثاني، يروي الفيلم صداقة المخرج عبر فايسبوك لامرأة شابة سورية كردية (وئام بدرخان) سلّمته لقطات لتدمير مدينتها حمص. فهي لم تكتفي بتصوير وحشية الحرب، ولكنها نقلت أيضاً محاولاتها التمسّك بوعد الثورة. وهي بالتالي، تعلّق آمالها، كما الملابس على منشر الغسيل، على ذكريات عائلتها، ومتعة الموسيقى التي صدف أن اكتشفتها في منزل مهجور، وحس الأعمال الاعتيادية والمألوفة الذي يؤمنه الغسيل، ورجاء البقاء على قيد الحياة لدى رؤية أطفال المدينة الباقين ينعمون بمستقبل أفضل، وواجبها لفت انتباه الجمهور العالمي إلى صور الحرب. وليست صور الحيوانات المشوّهة والمحروقة والأجساد الغارقة في الدماء في الشوارع والدمار المستشري فيها، ليست سوى صور مروّعة من الفيلم الذي لا يزال يطرح الجدل. ولا شك في أن "ماء الفضة" قد حظي بالإشادة، ولكنه راح يثير نقاشاً واسعاً وجوهرياً حول دور السينما وواجباتها وتمثيل العنف والعلاقة بين الجماليات والسياسة. وقد بحث محمد نفسه في بعض هذه القضايا خارج الإطار الدرامي طارحاً أسئلة شأن "ما هو الجمال؟" و"ما هي السينما؟" لافتاً انتباهنا إلى حيلة الأداة التي يستخدمها ليؤدي رسالته، وإلى الجمال الكامن في البشاعة، وإلى الجهود المبذولة لاستعادة قصص صمود الإنسان في مواجهة إبادة العنف. إنه فيلم لا يمكن اختزاله بمشاهد مروّعة أو بأي شطحات شاعرية قد توصف بها المقاومة. إنه كما يقترحه العنوان الإنكليزي "صورة ذاتية" لـ1001 سوري والمخرج، هو فيلم تكمن شاعريته في إصراره الدؤوب على قدرة الإنسان على تقديم الجديد – والتدمير في آن معاً.

 

Lisa Wedeen

Mary R. Morton Professor of Political Science and the College, and Co-Director of the Chicago Center for Contemporary Theory at the University of Chicago.

© النص: ليزا ويدين ومؤسسة الأمير كلاوس
نشر في كتاب جوائز الأمير كلاوس للعام 2015، منشورة سنوية حول حائزي الجائزة.

© اللقطات: بإذن من الفنان، ومؤسسة الأمير كلاوس

(الترجمة من الإنكليزية: ماري يزبك)

في العام 2015، كرّمت مؤسسة الأمير كلاوس أسامة محمد و10 فنانين آخرين على عملهم الرائد في مجالَيْ الثقافة والتنمية.

لجنة جوائز الأمير كلاوس:
تبحث أفلام المخرج أسامة محمد الجريئة في السلطة والنزاع والإنسانية. وقد أدّى دوراً محورياً في ساحة الإنتاج السينمائي السوري لعدة عقود. من خلال أساليب متنوعة مبتكرة، من الهجاء الدرامي إلى التأملات من المنفى وتسجيلات الشارع، يطرح آراء عميقة وراسخة ورؤى شعرية حول السياق السوري.

Prince Claus Fund

Herengracht 603
1017 CE Amsterdam
Netherlands

 
نفس
Back to Top