أحياء في البحر الميّت (1995 – 2015)

يوثق المعرض النتائج السياسيّة والاجتماعيّة التي تراكمت خلال الفترات السّابقة وارتباطها بالإنتاجات الأدبيّة والموسيقيّة والسينمائيّة. 19 كانون الثاني/يناير – حزيران/يونيو 2016، دارة الفنون، عمّان.
آذار 2016

استكمالاً لسلسلة المعارض التي تستكشف، عبر مجموعة خالد شومان الخاصّة، تاريخ الفن في المنطقة اليوم وتتقصّى العلاقة بين الفنون التشكيليّة والتحوّلات السياسيّة والتاريخيّة ومخاطبتها للفنون الأخرى من أدب وموسيقى وسينما، وبعد أن أطلقناها بمعرض “طقوس الإشارات والتحوّلات" (1975 – 1995) ، نقدّم الجزء الثاني والأخير في السلسلة بمعرض "أحياء في البحر الميّت" (1995 – 2015)، الذي يستلهم عنوانه من رواية الكاتب الأردني مؤنّس الرزّاز “أحياء في البحر الميّت”، والذي يقدّم من خلالها شهادة مهمّة- قد تكون قاسية- حول واقعنا العربي في عصر ما بعد الاستعمار الذي نعيشه حتّى الآن.

يرصد معرض "أحياء في البحر الميّت" (1995 – 2015) تطوّر الفنون العربيّة المعاصرة في نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين، وتوثيقها للنتائج السياسيّة والاجتماعيّة التي تراكمت خلال الفترات السّابقة، وارتباطها بالإنتاجات الأدبيّة والموسيقيّة والسينمائيّة.

تجاوبت الإنتاجات الفنيّة والثقافيّة مع الأحداث التي دمغت الفترة 1995- 2015. فبينما بدت الخمس سنوات الأولى من هذه الفترة خالية من الأحداث المحوريّة، كانت تهيّئ في الوقت نفسه لعصر سيغيّر العالم كما عرفناه. فاندلعت الانتفاضة الفلسطينيّة الثانية (2000) والبدء ببناء جدار الفصل العنصري (2002 - حتى الآن)، وانهيار مبنيا مركز التجارة العالمي في نيويورك (2001)، والذي كانت من آثاره المباشرة احتلال العراق (2003). ثم سلسلة الاغتيالات في لبنان وتفجيرات عمّان (2005)، والحرب الإسرائيليّة على لبنان (2006) وعلى غزّة (2008)، وثم الربيع العربي (2011) ونتائجه التي نعيشها حتّى الآن، خاصّة في سوريا. غيّرت هذه الأحداث مسارات أشخاص ودول وعوالم، وغذّت، في نفس الوقت، ممارسات فنيّة مختلفة لرصد التحوّلات التي نعيشها الآن.

فمثّلت تلك الفترة بداية انتشار الوسائط الجديدة في الفن من فن الفيديو والتجهيز الفنّي، إلى التصوير الفوتوغرافي والفن المفاهيمي، والتي بدت محاولات لفهم العالم، ثم التعبير عنه سواءً بالالتصاق بالقضايا المحوريّة، ومنها القضيّة الفلسطينيّة والتحرّر العربيّ، أو بإثراء النقاش العملي حول جماليّات عصرنا الجديد.

لذلك، بدا أن التوجّهات الفنيّة المعاصرة في هذه الفترة تستمد قيمتها من "المفاهيم" أكثر من مجرّد ارتباطها- أو عدم ارتباطها بالأحداث الآنية. فبدأت القضيّة الفلسطينيّة في الأعمال الفنيّة تتّخذ شكلاً واعياً يخاطب عصراً يحمل مأساة مستمرّة منذ 68 عاماً. هذا ما يظهر في أعمال كل من أحلام شبلي في سلسلتها "موت" (2011 - 2012) التي جوبه موضوعها الصريح والبديهي، في إعادة تجسيد الشهداء الفلسطينيين، بضراوة في قاعات العرض العالميّة، وسهى شومان في عمل الفيديو "بيّارتنا" (2009) الذي يتحدّث عن تدمير بيّارة عائلتها في غزة التي يعود تاريخها إلى 1929 كفلسطين مصغّرة في متناول يد الدمار والخراب من
المحتل، ورولا حلواني في سلسلة "الجدار" (2005) التي تنقل واقع جدار الفصل العنصري بضخامته وتأثيره على يوميّات الفلسطينيين. من ناحية أخرى، تعود القدس لتتمركز، كرمز الأمل، في صلب الأعمال الفنيّة وبأيقونيّة لوحات عبد الحي مسلّم، خاصة عمل "القدس تنادي" (2008). أو لدى وائل شوقي الذي حوّل في عمله "حديقة الأقصى" (2006) قبّة الصخرة إلى شكل يمكن العثور عليه في مدن الترفيه في رمزيّة للتلاعب السياسي بها.
هذا الشّكل الجديد أيضاً يُطرح من خلال إنشاء فنّي لرائد ابراهيم بعنوان "دولة اسماعيل" (2009)، حيث يعلن عن تأسيس دولة على أراضي السكّان الأصليين بحجّة "الحق التاريخي" والمرتبط بالعثور على آثار ونقود معدنيّة مغبرّة، والطلب من السكّان تقديم طلبات الانتساب إليها.

يظهر هذا المفهوم أيضاً في أعمال شخصيّة بامتياز تحملها أشكالاً فنيّة جديدة. خاصة الإنشاء الفنّي من “ضوء النيون"I’m Sorry لعادل عابدين الذي يكثّف النظرة الغربيّة تجاه احتلال بلده العراق في عبارة "آسف" المبهرجة والتي لا تعني شيئاً.

تتعاطى الأعمال الفنيّة المعاصرة في هذه الفترة بشكل واعٍ أيضاً- ربّما كان رؤيويّاً في بعض الأحيان، كأداة حثّ الجماهير على التغيير والتحرّر ممّا يكدّر عالمنا المضطّرب عبر استعادة مبادئ الحياة الأساسيّة. فمن عمل الفيديو الإنشائي "الصّدى" (2003) لمعتز نصر الذي يستعيد، بعد 50 عاماً، مشهداً من فيلم يوسف شاهين "الأرض" الذي يوبَّخ فيه الشخصيّة الرئيسيّة- الذي مثّلها محمود المليجي- عدداً من الأشخاص في مقهى على لا مبالاتهم في وجه الاحتلال البريطاني والرّكود الاقتصادي العام 1933، وإعادة تصوير المشهد في العام 2003 – من تمثيل شيرين الأنصاري- في مقهى مزدحم بالقاهرة بنفس الطريقة. إلى عمل الفيديو الإنشائي "صمت الحملان" (2010) للراحلة آمال قناوي، والذي يعتبر عملاً تنبؤيّاً لما حدث بعد عام فقط في ميدان التحرير والبلدان العربيّة لاحقاً.

بينما تذكّر بثينة علي بالمبادئ الإنسانيّة بمواجهة تراجع وظائف المجتمع الرئيسيّة في الإنشاء الفنّي "نحن" (2008). كما يأخذ هراير سركيسيان أثر التغيّرات الأخيرة في العالم العربي إلى مستوى شخصي مشحون في عمل الفيديو "الحنين إلى المنزل" (2014) الذي يعرض لأوّل مرة في العالم العربي. وتعيد أسونسيون مولينوس غوردو البوصلة إلى عضويّة الأرض في الصراعات الحاليّة في عملها "الفلاح لديه فأس" (2013). بينما يطرح وليد رعد (مجموعة أطلس) رؤيته العميقة حول حق امتلاك رواية التاريخ لمن يمتلك حكايته في عمل الفيديو "أود فقط لو أبكي" (2003).

في المقابل، شهد العام 1995 وفاة الشيخ إمام: أحد أبرز الفنانين الذين أسّسوا ما يشبه أن نسمّيه بالموسيقى المستقلّة الخارجة عن طوع الدولة والمؤسّسات. فليس غريباً، إذاً، أن تستعيد الفرق الموسيقيّة المستقلّة إرثه في ظلال الربيع العرب.

 

© النص: دارة الفنون. مؤسسة خالد شومان.

أحياء في البحر الميّت (1995 – 2015)

الفن، الكتب، إنتاجات بصرية وسمعية

19 كانون الثاني/يناير – حزيران/يونيو 2016

دارة الفنون

مؤسسسة خالد شومان

العنوان:
P.O.Box 5223
الأردن

مجموعة من فناني مؤسسة خالد شومان في المعرض:

عبد الحي مسلّم، عادل عابدين، عندان يحيى، أحلام شبلي، آمال قناوي، أسونسيون مولينوس غوردو، بوراك ديلير، بثينة علي، هراير سركيسيان، جايمس ويب، جمانة إميل عبّود، معتز نصر، محمّد الحواجري، نداء سنّقرط، عريب طوقان، رندا ميرزا، رائد إبراهيم، ريم القاضي، رولا حلواني، صلاح صولي، سهى شومان، وائل شوقي، وليد رعد/ مجموعة أطلس.


محتويات ذات صلة:

13
يتقصّى المعرض العلاقة بين الفنون التشكيليّة والتحوّلات السياسيّة والتاريخيّة. دارة الفنون، عمّان، الأردن. 19 أيار/مايو 2015 – كانون الثاني/يناير 2016
مقابلة مع سهى شومان، مؤسسة ورئيسة مؤسسة خالد شومان ودارة الفنون، دارة الفنون في عمّان، الأردن.
 
نفس
Back to Top