منى حاطوم: من بومبيدو إلى تايت

بعد مركز بومبيدو في العام الماضي، ينتقل معرض منى حاطوم إلى تايت مودرن، 4 أيار/مايو – 21 آب/أغسطس 2016. مقابلة أجرتها كريستين فان آسش، القيّمة على المعرض.
أيلول 2016

بعد مركز بومبيدو في العام الماضي، ينتقل معرض منى حاطوم إلى تايت مودرن من 4 أيار/مايو إلى 21 آب/أغسطس 2016.

منى حاطوم تحظى برعاية القيّمة الفنية الفخرية كريستين فان آسش، في مركز بومبيدو والقيّمة على متحف الفنون الحديثة والمعاصرة في بريطانيا تايت كلاري واليس بالإضافة إلى القيّمة المساعدة في تايت مودرن كايتي وان. والمعرض من تنظيم مركز بومبيدو وهو المتحف الوطني للفنون الحديثة في باريس بالتعاون مع تايت مودرن في لندن والغاليري الوطنية الفلندية ومتحف آرت كياسما للفنون المعاصرة في هلسينكي. ستحفظ فعاليات المعرض في دليل تصدره دار تايت للنشر وبرنامج حوارات في الغاليري.

في هذا العالم الذي تسيطر عليه التناقضات والتوترات السياسية - الجغرافية والجماليات المتنوعة، تقدّم لنا منى حاطوم نتاجاً يحقق عالمية لا مثيل لها، بل هو مجموعة من الأعمال التي أصبحت "نماذج" يحتذي بها عدد كبير من الفنانين المعاصرين. فالفنانة البريطانية الجنسية والفلسطينية الأصل تعتبر من أهم ممثلي المشهد الدولي المعاصر. ويكفي عملها ليدعم أهمية خطابها، والتطابق الكامل بين الأشكال والمواد المستخدمة، والجانب المتعدد الاختصاصات لعملها ومفهومها الملتزم للحركات الفنية المعاصرة (عروض الأداء، والفن الحركي، والحركة التبسيطية).

بعد انطلاق المعرض الأول في متحف مخصص لأعمال منى حاطوم قبل عشرين عاماً، يكرّس مركز بومبيدو معرضه الأول لها، وهو معرض يضم مائة عمل ونيف، ويغطي جوانب مختلفة من عملها في الفترة الممتدة من 1977 إلى 2015. وفي غياب أي ترتيب زمني، على غرار "خريطة" لمسارها المهني، يوفر المعرض للجمهور رحلة عبر نتاجها هذا على أساس أوجه الشبه الرسمية والحساسة بين الأعمال. بهذه الطريقة، يتم النظر في عروض الأداء في ثمانينات القرن العشرين، سواء كانت موثقة في صور أو رسومات أو أعمال فيديو، ارتباطاً بتجهيزات ومنحوتات ورسومات وصور وأغراض يرجع تاريخها إلى أواخر الثمانينات وحتى يومنا هذا.

إن منى حاطوم، المولودة في لبنان في العام 1952 لأبوين من أصل فلسطيني، غادرت هذا البلد في العام 1975 لتقيم فترة قصيرة في لندن عندما اندلعت الحرب في وطنها. بقيت في العاصمة البريطانية حيث بدأت بدراسة الفن. يندرج عملها ضمن فترتين أساسيتين. في خلال ثمانينات القرن العشرين، استكشفت مجال عروض الأداء والفيديو. وكان عملها في ذلك الوقت سردياً يركز على القضايا الاجتماعية والسياسية. وابتداء من تسعينات القرن العشرين، أخذ نتاجها يجمع أعمالاً "دائمة" وتجهيزات ومنحوتات ورسومات. وباعتبارها الآن من حاملي لواء الطليعية، تعدّ منى حاطوم تجهيزات متأثرة بالفن الحركي ونظريات الظواهر وغيرها من التجهيزات التي يمكن تعريفها بأنها تنتمي إلى حقبة ما بعد التبسيطية، وذلك باستخدام المواد الموجودة في العالم الصناعي (شبكات وأسلاك شائكة)، أو في البيئة الخاصة بها (الشعر). تسيطر النفحة النسوية على بعض هذه التجهيزات والمنحوتات التي يتمتع معظمها ببعد سياسي، فيما تدور حولها أجسام سوريالية وأعمال على ورق منتجة بمواد غير عادية تستخدم يومياً أو صور التقطت في أثناء الرحلات، لها صلة بأعمال أخرى في المعرض. تجري القيّمة على المعرض مقابلة مع الفنانة:

كريستين فان آسش: قضيت 23 عاماً في لبنان حيث ولدت، وقد عشت لمدة 40 عاماً بين بريطانيا وبرلين. كيف تحددين مكانتك بين هذه الثقافات المختلفة، بين الشرق الأوسط والغرب، أو بالأحرى، كيف تحددين موقع أعمالك؟

منى حاطوم: لا أظن أنه يجدر بالمرء أن ينظر إلى عملي بهذه الطريقة. أجد أنه من المؤسف أن يقارب الناس أعمالي وفي باله فكرة الربط بينها وبين أصولي، ما يحد من تفسيرها ويبتعد عن الخفايا الرسمية والتجربة الشاملة التي يمكن لأعمالي أن تقدّمها. وهي أعمال تعتمد على الأشكال الهندسية والتجريد واللغة الرسمية للفن. وتشير التجهيزات الضخمة التي أنشأتها منذ تسعينات القرن العشرين إلى هيكليات السلطة والسيطرة التي لاحظتها في الغرب. إن أصولي متجذرة في الشرق الأوسط. وقد أنجزت سنوات دراستي في بيروت، وهي مدينة عالمية حيث التحقت بالمدرسة الفرنسية، وأنهيت دراستي في المدرسة الإيطالية، ومن ارتدت الجامعة الأمريكية. لذلك، قبل وقت طويل من مغادرة لبنان، تعرّضت لمجموعة واسعة من التأثيرات الانتقائية. هذه هي الحالة النموذجية للوضع ما بعد الاستعمار في العالم العربي وشمال أفريقيا حيث يغذي دمج التأثيرات الثقافية المتعددة النفس بتعقيداتها وغناها. لقد قضيت ثلثي حياتي في إنكلترا، ومؤخرا بدأت أقضي وقتي بين لندن وبرلين. وبالتالي، يمكنني القول إنه لديّ تجربة ثقافية هجينة، معيشة تعددية، وينعكس كل هذا بشكل واضح في تنوع الأشكال والأساليب التي تظهر في عملي.

كريستين فان آسش: ما الذي تقصدينه بـ"هيكليات السلطة في الغرب"؟

منى حاطوم: إن المراقبة المستمرة المفروضة على المجتمع هي واحدة من أولى الأشياء التي أدهشتني عندما وصلت إلى إنكلترا. في نهاية سبعينات القرن العشرين، قادني التزامي الجماعات النسوية إلى دراسة العلاقات السلطوية التي كانت قائمة، أولاً من خلال منظور الهوة بين الجنسين، ومن ثم من خلال الهوة في العلاقات بين الأعراق. لاحظت أيضاً أن المؤسسة البيروقراطية التي كنت جزءاً منها في ذلك الوقت (جامعة لندن) كانت صورة مصغّرة من القوى الاستعمارية. وقد دفعتني هذه الملاحظة إلى تحليل العلاقة بين الغرب والعالم الثالث. وفي ذلك الوقت، كنت أقرأ فوكو وباتاي وكنت مهتمّة للغاية بمفهومَيْ البانوبتيكون والمراقبة جنباً إلى جنب غيرهما من آليات سيطرة الدولة.

كريستين فان آسش: إن كل أعمالك تغرق المشاهد في علاقة معقدة، وهو مع ذلك مختلفة في الأداء والمنحوتات وأعمال التركيب. كيف حالك تطوير هذه المشاركة؟

منى حاطوم: أود أن أجرّ الناس إلى مقاربة بصرية وجسدية تسمح لعمليات الجمع بين المفاهيم وتفسيرها بأن تخرج من إطار الاتصال الجسدي الأول مع العمل. وفي عروض الأداء التي أقدّمها، كنت على علاقة مباشرة بالجمهور، ولكنني عندما بدأت بإنشاء التجهيزات، أردت أن تحلّ أجساد المشاهدين مكان جسدي الخاص. وفي التجهيزات الضخمة التي قد تكون مهيبة من حيث المساحة، يصبح المشاهد تدريجاً جزءاً من الفضاء والعناصر الشكلية التي يتكوّن العمل منها، وقد يشعر على سبيل المثال بعدم الاستقرار أو الخطر. ومع التماثيل، وخاصة عندما تأخذ شكل الأغراض والأثاث، قد يتخيّل الجمهور أجسادهم في أحد الأعمال ويتخيّلون أنفسهم في مسار استخدامه. ومن شأن تحويل هذه الأعمال إلى أشياء غير صالحة للاستعمال أن يدفع بنا إلى التساؤل عن أمن العالم الذي نعيش فيه.

 

كريستين فان آسش: كيف يتم تقديم عروض الأداء في المعرض؟
 
منى حاطوم: يتم تقديم مجموعة مختارة من العروض يبلغ عددها 10 وتوثيقها من خلال الصور الفوتوغرافية وكراسات الرسم والنصوص الوصفية. كذلك، يتم عرض أربعة تسجيلات فيديو لعروض أداء في المعرض، ما يمثل غالبية الأعمال التي أنتجتها في خلال ثمانينات القرن العشرين جنباً إلى جنب تسجيلات الفيديو. تنشر كل الأعمال في المعرض لتوفير منظور مختلف وتجربة مختلفة للزيارة بالإضافة إلى تجهيزات ومنحوتات أكثر رسمية وتجريبية.

كريستين فان آسش: لقد أنتجت عدداً كبيراً من الفيديوهات التي لم تكن مرتبطة بعروض الأداء. هل تؤرّخ هذه الأعمال فترة معيّنة من مسيرتك المهنية أو استكشافات محددة؟

منى حاطوم: في ثمانينات القرن العشرين، إلى جانب عروض الأداء التي أخذت أقدّمها، والتي غالباً ما كانت تتضمّن فيديو حيّ، أنتجت عدة فيديوهات شكّلت امتداداً لما كنت أنفّذه في ذلك الوقت استناداً إلى الوقتية والسرد. وقد تضمّن أول هذه الفيديوهات بعنوان  جلّ ما أريد قوله ، عرض أداء يعتمد على نقل فضائي بطيء وأنتج بين فانكوفر وفيينا في العام 1983. وقد استخدمت مقاطع مصوّرة بتقدنية سوبر 8 في عرض الأداء تحت الحصار (1982) لإدراج الفوضى في الجزء الثاني من العمل أجزاء متغيّرة (1984). فضلاً عن ذلك، أعدت تصميم بعض العناصر من مقتطف من عرض أداء معقّد بعنوان حذار الفجوة (1986) لإنشاء الفيديو بعنوان مقاسات المساحة في العام 1988. ومنذ ذلك الحين، أنتجت تجهيزات وفيديوهات تعالج مشكلة المراقبة مثل جسد غريب (وهو عمل أنتج في العام 1994 في مركز بومبيدو الذي ضمّه إلى مجموعته في العام نفسه) بالإضافة إلى مجموعة من التجهيزات التي بثّيت فيها أصواتاً وصوراً حيّة التقطها في الشارع بالقرب من المعرض بواسطة كاميرا مراقبة.

كريستين فان آسش: يتضمّن المعرض عدداً من التجهيزات المذهلة التي تعتمد النزعة التبسيطية من حيث المواد وعلاقتها بالفضاء والجمهور. ما الذي تمثّله هذه التجهيزات في عملك ككل؟ كيف تحددين موقعها في الحركة التبسيطية؟

منى حاطوم: في التجهيزات الضخمة، أستخدم الشبكات، وهندسة المكعّبات والتسلسلية والتكرار، شأن الأنظمة التبسيطية الرسمية. ولكن عندما تحوّل المكعّب إلى قفص وأصبحت الشبكة حاجزاً، لم تعدّ مجرّدة: فقد باتت تشير إلى الحبس والسيطرة، وفي نهاية المطاف، إلى الهندسة المعمارية للسجن. وبعض هذه التجهيزات مثل العقوبة الخفيفة (1992) أدائي ويلجأ إلى الإنارة والظلال والحركة لزعزعة استقرار الفضاء الذي تُقام فيه، في حين أن البعض الآخر مثلخريطة (واضح) (2015) يجسّد مادة غير مستقرة بالأساس – في هذه الحال نتحدث عن الرخام الزجاجي - من أجل تحويل الأرض تحت أقدامنا إلى سطح خادع. وبالتالي، يمكن القول إن هذا العمل تبسيطي على المستويَيْن الرسمي والجمالي. هو ليس ذاتي المرجع، ولكنه مفتوح للتفسير وغالباً ما يشير إلى عدم الاستقرار والصراع الحاضر في العالم الذي نعيش فيه.

كريستين فان آسش: تنتجين أيضاً أعمالاً هي أقرب إلى السريالية وتتحلى ببعض الروح الفكاهية. هل تتعمّدين ذلك؟

منى حاطوم: لطالما أدّت الفكاهة دوراً أساسياً في أعمالي. غالباً ما أحرص على بث روح الفكاهة فيها مع لمسة من السريالية لنقض أو التخفيف من وطأة بعض المواضيع الجدية المذكورة في أعمالي الأولى. وكما فيأعمال الطريق، وهو عرض أداء أعددته في العام 1985 حيث مشيت عارية القدمين في طرقات بريكستون أجرّ جزمة شرطي ثقيلة خلفي، أو في الصورة بعنوان على جثتي، حيث اقتصر رمز الذكورية على لعبة تتخذ شكل جندي صغير. والفكاهة جلية أيضاً في المنحوتات الحديقة العامة (1993)، بلا عنوان (الكرسي المدولب) (1998 – 1999)، و عيار 42 (ذهب) (1999). ويمكن إيجاد هذه الروح أيضاً في مجموعة من المنحوتات حيث قمت بتكبير أواني مطبخ لتصبح بالأحجام المعتمدة في الحركة السريالية، وحوّلتها لتغدو أضخم من الشاشات أو الأسرّة. أنا مهتمّة بالسريالية لأنني أعتبرها تصوراً للتناقضات والتعقيدات التي تسكننا ووسيلة ليكون الفن مبنياً على أساس الواقع بدلاً من النفس المنطقية. ولطالما سيطر مفهوم الغريب أو غير المألوف الذي يصبح مدعاة للقلق، أو حتى التهديد، لأنه يرتبط بصدمة معيّنة، على كل أعمالي بطريقة أو بأخرى.

كريستين فان آسش: أي فنانين معاصرين تعتبرين أنك الأقرب إليهم؟

منى حاطوم: إن الفنانين الذين ألهموني في مختلف مراحل مسيرتي الفنية هم مارسيل دوشان، ورينيه ماغريت، وميريت أوبنهايم، وأنياس مارتين، وإيفا هيسي، وفيليكس غونزاليس توريس بالرغم من وجود كثر آخرين.

 كريستين فان آسش
رئيسة القيّمين على المتحف الوطني للفن الحديث، مركز بومبيدو، باريس

(الترجمة من الإنكليزية: ماري يزبك)

منى حاطوم
4 أيار/مايو - 21 آب/أغسطس 2016

القيّمة على المعرض:

كريستين فان آسش

رئيسة القيّمين على المتحف الوطني للفن الحديث، مركز بومبيدو، باريس

 

كلاري واليس

القيّمة الفنية على متحف الففنون الحيث والمعاصرة في برييطانيا، تايت

 

كايتي وان، القيّمة المساعدة، تايت مودرن

 

الموقع التالي:

كياسما، علسينكي

7 ـشرين الأول/أكتوبر – 26 شباط/فبراير 2017

 

الموقع السابق:

مركز بومبيدو، باريس

24 حزيران/يونيو – 28 أيلول/سبتمبر


محتويات ذات صلة:

02
28 آذار/مارس – 14 حزيران/يونيو 2015، مؤسسة بروا. معرضها الأول في الأرجنتين. 30 عملاً تتضمن تقاطعات غريبة من شأنها أن تستحدث معاني جديدة. القيّمة الفنية: كيارا برتولا
 
نفس
Back to Top