ما وراء المنفى: حنين هرير سركيسيان إلى الديار

بحسب: مرتضى والي | كانون الثاني 2015

 يقوم المنفى على وجود الوطن الأم وحبه والتعلّق به. إلا أنه لا يكمن في فقدان الديار وحبها، وإنما في تأصل هذا الفقدان في وجودهما.
 إدوارد سعيد، أفكار حول المنفى [1]
إن نموذجاً مصغّراً لمبنى سكني بني اللون، من النوع الشائع في مدن الشرق الأوسط، يظهر في إطار الصورة، هو جزء من سلسلة من خمس صور تندرج ضمن أحدث مشروع لهرير سركيسيان "الحنين إلى الديار" (2014). يقسم درج يصل إلى الوسط المبنى إلى جناحين. وكل جناح يتضمّن أربع شرفات متواجهة، بعضها مفتوح تماماً فيما البعض الآخر مقفل جزئياً لخلق مساحة داخلية إضافية. يختلف أسلوب الستائر ولونها، كما أشكال النوافذ والدرابزين المعدني على طول حافة كل شرفة. يبرز خزان مياه صغير على السطح تماماً كما هي وحدات تكييف الهواء ومراوح العادم المستخدمة في كل شقة. بالانغماس في التدقيق في هذه التفاصيل، قد لا يتنبه المرء إلى أن الهيكلية هي، في الواقع، كناية عن نموذج معزول في مساحة محاطة بالجدران البيضاء، ولا تشكل جزءاً من النسيج الحضري لمدينة عربية. ومع أن الصورة لا توفر أي تفاصيل قد تسمح لنا بالتأكد من نسبية النطاق، بيد أن موضوعها يتحكّم بالمساحة والإطار على حد سواء بطريقة توحي بوجود علاقة تعادل العلاقة بجسد الإنسان، يمكن مقارنتها إلى حد ما بمنحوتة "الموت" لتوني سميث (1968). إن الهيكلية هي نسخة طبق الأصل من 1:30 للمبنى في دمشق حيث ترعرع سركيسيان وحيث ما زال والداه يعيشان. بالتعاون مع مهندس معماري ومقاول بناء، عمل سركيسيان على مخططات وصور للهيكلية الأصلية بغية بناء هذه النسخة بعناية في دارة الفنون في عمان في الأردن، وهي هيكلية، على عكس النماذج المعمارية التقليدية وفي حرص على الحصول على درجة مضافة من التشابه المادي، مصنوعة بتقنيات ومواد بناء متطورة شأن الخرسانة المسلّحة المدعّمة بالحديد.
 ليس سركيسيان أول الفنانين المعاصرين الذين يعملون بنسخة طبق الأصل معمارياً للديار. كما أصبح الفن أكثر عالمية وحياة الفنانين أكثر عبوراً للحدود الوطنية، باتت الديار موضوعاً متكرراً ومألوفاً في الأعمال الفنية تعالج من خلاله قضايا النزوح الثقافي، والفقدان، والذاكرة، والماضي. فغالباً ما تتميّز منحوتات دو هو سوه بنسخ طبق الأصل من الديار التي سكنها على مر السنين الماضية. ومن شأن النسخ المطابقة للأحجام الفعلية والمصنوعة من القماش الشفاف والحافلة بالألوان الزاهية، والتي تعرض في بعض الأحيان متدلية فتكاد تلامس الأرض، أن تعيد ابتكار هشاشة الديار وقابليته للزوال باعتباره تجربة بصرية وظواهرية. وفي نموذج مفصّل مثل "النجمة الساقطة 1/5" (2008-2011)، الأكثر حضوراً مادياً، يجسد سوه صراع الثقافات الذي يواجهه المهاجرون، مع اصطدام كل دار بالأخرى. ومنذ العام 1996، شيّد ريركريت تيرافانيا نسخاً بالحجم الطبيعي لشقته في نيويورك في غاليريهات ومتاحف العالم. وهذه النسخ المصنوعة بشكل متواضع من الخشب الرقائقي، صالحة للسكن ومؤهلة لأن يستخدمها بحرية أي شخص طيلة قيام المعرض. ولا شك في أن نحت المساحات داخل النظام الصارم للمكعب الأبيض يعدّ بمثابة قنابل قد تتكشف بموجبها أعمال العيش المشترك. ولكن كمنحوتة، يبدو نموذج سركيسيان أقرب من حيث الحجم والمواد والإحساس لعمل مروان رشماوي "الشبح" (2006-2008)، وهو نسخة طبق الأصل عن عمارة يعقوبيان العصرية في بيروت، حيث عاش الفنان لفترة والتي تشكل مستودعاً للذكريات الشخصية ولكن أيضاً لمؤشرات صدمة الحرب الأهلية اللبنانية.
ما يميّز مشروع سركيسيان عن هذه الأمثلة الأخرى هو بالتحديد مصير النسخة الفعلي. بعد أن شيّد بمشقة على مدى شهر، تم هدمه فور اكتماله - باليد في أفضل جزء من اليوم – في إطار عملية موثقة بالصور الثابتة والمتحركة. أما الصور الضخمة الأربع الأخرى في السلسلة فتشهد على هدم طابق فيما تجسّد الصورة الأخيرة هدم كل المبنى. وهذه الصورة التي تمثل لقطة استديو لكومة كبيرة من الركام الخرساني، تشبه الصور الصحافية لأعقاب التفجيرات، وتصوّر المذبحة اليومية التي يشهدها ذوو سركيسيان في سوريا كما أطياف العراق وغزة. وفي هذا السياق، تشكل ديار سركيسيان في بلده الأم نموذجاً لعدد لا يحصى من الديار المدمّرة في أنحاء المنطقة كافة.
مع أن سركيسيان هاجر في العام 2008، إلا أن الحرب الأهلية التي اجتاحت سوريا ودمرتها منذ العام 2011 جعلت من عودته مستحيلة، ما حوّله إلى مغترب مقاوم في المنفى. بصفته أرمينياً سورياً، أجبر أجداده على ترك منازلهم في الأناضول تحت تهديد الإبادة الجماعية، ورث سركيسيان حزن المنفى فيما تخللت شعريته الرثائية الكثير من أعماله السابقة. فيمكن فهم النسخة التي شيّدها على أنها نصب ينضح بالحنين إلى الديار المفقود، في حين أن صحة صورته توفّر مجموعة من الذكريات الأساسية التي تسمح بالتمسّك بماضٍ يتلاشى فيما يخدم تدمير هذه النسخة للدلالة على أنه لا مفرّ من اختفائها من الذاكرة.
 لكن "الحنين إلى الديار" هو، ربما، إلى تاريخه محاولة سركيسيان الأكثر مباشرة لمعالجة آثار تهجيره من بلده ويبدو جلياً أن شريطي الفيديو المصاحبين للصور يكشفان بعضاً من تعقيدات وضعه الخاص وتناقضاته. ويظهر الفيديو الصامت من أحد عشر دقيقة هدم النموذج في الفاصل الزمني من دون أن يفضح سبب التدمير. ويبدو أن المبنى ينهار ببطء نتيجة مرض داخلي بدلاً من الهجوم من الخارج. أما الفيديو الثاني الذي يبلغ طوله ثماني دقائق فهو يترافق بالأصوات ويبرز سركيسيان وهو يؤرجح مطرقة مراراً وتكراراً. مع أن الافتراض الواضح يكمن في أن الضربات موجهة إلى النموذج، بيد أنه لم يتم تسليط الضوء على الهدف منه. وإنما تبقى الكاميرا مركزة على رأسه وجذعه العلوي، تتفحص لغة جسده والتحرّكات التي يثيرها عمل التدمير. وعلى رغم الغضب والإحباط الواضحين، لكن سركيسيان يبدو منهكاً. ومن خلال شريطي الفيديو المتناقضين، يظهر سركيسيان وكأنه يعترف بذنبه في هذا المسار وينكره فيشوش فهمنا لعلاقة المنفى بدياره.
 مع تدهور الأوضاع في سوريا، أصبح تدمير منزله، ومعه عائلته التي ما زالت تقطن فيه، مصدراً لخوف حقيقي ومعيق، مصدراً لقلق دائم يزداد شدة عن طريق الانفصال المستمر والمسافة القائمة. ولهذا السبب، ليست العلة المشار إليها في عنوان المشروع محصورة بالتعلّق بالديار المتروكة مرة والمفقودة حالياً إلى الأبد ولكنها تدل أيضاً على تنامي مشاعر الاستياء في المنفى إزاء ماض يريد بأي طريقة الهرب منه ولكنه يعجز عن ذلك، ويستمر في السيطرة على ذكرياته التي ترفض إطلاق سراحه. وبهذا، يمثل "الحنين إلى الديار" شكلاً من أشكال العلاج الشافي، في محاولة لطرد الذكريات والصدمات والتوقعات بجنون العظمة المواكبة لطفولته في الديار عبر طمس الزائف منها بطريقة تقليدية. إنها محاولة لرفض ظروف المنفى ذاتها، والخسارة الكامنة في فكرة الديار التي يتحدث عنها إدوارد سعيد ببلاغة، من خلال القضاء، على الأقل رمزيا، على وجودها.

 

 

ملاحظة:
  1. إدوارد سعيد، "أفكار حول المنفى"، أفكار حول المنفى ونصوص أخرى (كامبريدج، منشورات جامعة هارفرد، 2002) ص. 185.

مرتضى والي

كاتب ومؤرخ فني وقيم. يقيم في الشارقة في الإمارات العربية المتحدة، وفي بروكلين في الولايات المتحدة.

(الترجمة من الإنكليزية: ماري يزبك)

حنين إلى الديار

فيديو بقناتين
(رقمي، 16:9)

المدة:
11 دقيقة و13 ثانية و7 دقائق و46 ثانية

المعرض القادم:

 

هرير سركيسيان: آفاق مستقبلية متصورة

13 آذار/مارس – 25 نيسان/أبريل 2015

 

The Mosaic Rooms

226 Cromwell Road

London SW5 0SW

 

زيارات خاصة: الخميس 12 آذار/مارس

من الساعة السادسة والنصف مساء إلى الساعة الثامنة والنصف مساء

إلى جانب المعرض، تطلق موازييك روم أول منشورة لها "الخلفية"

 
نفس
Back to Top