الفنانون الجزائريون يكتبون "فيديو الجسد"، 1995 – 2013

بحسب: Amina Zoubir | تشرين الأول 2014

في المجتمع الجزائري، يخضع جسد الإنسان لتصنيفات اجتماعية ودينية تقيّد المظهر ولغة الجسد. ومن شأن معالجة مسألة الجسد هذه في أعمال الفيديو التي يقدمها الفنانون في الجزائر أن تثير قضايا جمالية وأخلاقية تتطلب الكثير من التوضيح والتفصيل. إلا أن بعض الفنانين الجزائريين نجحوا في اطلاعنا على هذا الموضوع بأعمالهم الفيديوية والسينمائية، مع أنه نادراً ما جمعت في محفل واحد وعرضت في سياق معرض موحّد. في حزيران/يونيو 2014 في المعهد الفرنسي في الجزائر، قمت برعاية معرض فن الفيديو "الجسد المفقود" الذي وضع "فيديو الجسد" موضع التجريب. وقد أدى بي اقتراح هذا المعرض إلى تقديم عدة أعمال إضافية تشهد فيها صورة الفيديو على اهتمام صريح بشؤون الجسد تماماً كما بالمسارات المستخدمة في المحتوى المرئي المعني. لماذا هذا التخوف من الجسد وهذا الخوف من انعكاسه في مرآة صورة الفيديو؟ هل يفكّر الفنانون الجزائريون تخليص هذا الجسد من قيوده الاجتماعية والأخلاقية؟

إن علاقة الجمهور الجزائري بفن الفيديو منعدمة تقريباً ليحلّ مكانها ضعف واضح إزاء كل ما يهز عرش التقاليد ويبقى الفن التصويري متمسكاً أبداً بالتمثيل الزيتي الكلاسيكي حيث الرسم الاستشراقي وغيره من وسائل التعبير تتعايش في هيمنتها على المشهد الفني في الجزائر. ولا شك في أن أزمة المعنى ما زالت حاضرة إثر التراجع الملحوظ في خلال السنوات السوداء عندما "كانت الأولويات في مكان آخر، نظراً إلى ضرورة البقاء على قيد الحياة. وفي مواجهة هذا الوضع، لم يكن أمام الفن سوى أن يكون ثانوياً".[1] بالاحتماء في الماضي عبر استخدام هذه الأنماط من التعبير وهذه الأنواع من نماذج الرسم، حاول الفنانون الجزائريون مراراً وتكراراً بناء فن أصلي. إلا أنهم لم ينجحوا، لأن النموذج الذي اختاروه كان مؤرخاً. اليوم، تطور الفن الجزائري المعاصر نحو وسائل إعلام جديدة لم تختبر في المشهد الفني المحلي، مثل التصوير الفوتوغرافي، والفيديو، وأنواع مختلفة من التجهيز. وتستخدم هذه كلها حفنة من الفنانين الذين يسعون إلى مواجهتها. وفي الوقت نفسه، يستفيد الشتات الجزائري من تجارب كثيرة بفضل مسارات التصوير هذه. ونتيجة لذلك، يسمح إدخال التعبير الفيديوي إلى الميدان الفني بتصحيح عملية إعادة التنظيم الواسعة التي تشهدها الساحة الفنية في الجزائر. فمن الضروري تحرير النماذج الجمالية لتصوّرات الجسد، ولا سيما في أشرطة الفيديو التي يعدّها الفنانون الجزائريون المذكورة أدناه، حيث تتجلى حساسية المقاربة وفرادته لتشكل أساساً متيناً لفن الفيديو في الجزائر.

في "انتقادات دموية بلا تعليقات" "Stridences Sangcommentaires" (2001، 7 دقائق)، يثير عمار بوراس الذكرى المؤلمة للحرب الأهلية في خلال تسعينيات القرن العشرين. فقد أخذ "يرسم" صورة الفيديو ويسرّع تتابع الصور التي يجعلها غير محسوسة من اللحظة التي تظهر فيها. يصرّ على جثث القتلى ويمحو رسم صورة الفيديو كمادة زائلة، دامجاً إياها في مسار صنع صور الفيديو. ومن ثم، نسمع صخب المتظاهرين في الشارع، وخطب لإسلاميين متطرّفين، وأصوات صاخبة. وبهذا، يعيد بوراس بناء واقع مأسوي، مع حركة الصورة المطابقة لعنف الألوان الزاهية التي تولد شعوراً بالرهبة. وبين الظهور والاختفاء والتحوّل، يتم بناء صورة الفيديو وتفكيكها، بكسل تلو الآخر. وفقاً لبيل فيولا، في شريط الفيديو، "لا وجود للصورة الثابتة. في كل لحظة، تكتسح الإلكترونات سطح الشاشة. حتى الشاشة الفارغة تستنسخ هذا الإيقاع. لا وجود للصمت والجمود إلا عند إيقاف تشغيل النظام". [2]

تقدّم رشيدة أزضو عملاً بعنوان "الثلاثي المكتئب" (2009، دقيقتان) حيث يبرز جسدان الواحد فوق الآخر للشخص نفسه. يشير الفيديو إلى شخصية مزدوجة توفر معلومات عن الحالة النفسية. تتأمل هذه الشخصية الجدار، ومن ثم تحاول أن تتجاوزه. توقّع تنهداتها موسيقى الفيديو في حين أن الصدى يشغل الغرفة الفارغة فيضخّم الصوت. فيبدو صرخة منهك: هي فردية منغلقة في الفضاء (الخاص) حيث تحاول الشخصية غير مرة مواجهة الجدار الماثل عقبة أبدية يسعى باستمرار إلى تخطيها، ولكن عبثاً يفعل. فالحزن يسيطر عليه عندما يسحق نفسه. ويقدّم الصوت إسقاطاً مكانياً للجسم السوداوي ويكافح من خلال صورة الفيديو التي تجسّده، ما يذكّر بالفيلسوف برغسون الذي يرى أن "التصور يتصرّف بالفضاء بالنسبة الدقيقة التي يتصرف فيها العمل بالزمن". [3]

ينضم فن الفيديو بما لا يقبل الجدل إلى أداء الجسد مدعاةً للتمجيد والقمع في آن معاً. وقد أراد مصطفى سجّال من عمله التصويري أن يسلّط الضوء على هذا النموذج الأدائي. كان ذلك في معرض كريمة سيليستين في مرسيليا حيث كتب على الجدار "الشعب، بطل وحيد" (2012، 5 دقائق)، وحيث شطب كلمة "الشعب" ليكتب بدلاً منها "والدي". يشير الفنان إلى البنوة، إلى فكرة نقل ذكرى حرب التحرير الجزائرية من الأب إلى الابن، وبالتالي من الأم إلى ابنتها. يكتب التاريخ الأفراد الذين يشكلون كياناً، أو أمة. هنا، إنها مسألة مادية يرتبط الفنان من خلالها بعلاقة مع ذاكرته الخاصة ومع التاريخ الشخصي لوالده وكأنها طريقة ليدوّن ويؤكد فرديته عند هضم التاريخ الاستعماري.

بيد أن مفهوماً أساسياً كان مفقوداً لدى تفكير الفنانين الجزائريين بمفهوم الجمال: الحب بين الرجل والمرأة. فالجنس باعتباره من المحرمات يتبدد بوضوح بفضل عرض الشرائح الذي قدّمته زليخة بوعبدالله "العتّال" (2009، دقيقتان) وهو يبرز رسوماً توضيحية للكاما سوترا. تتضافر الأجساد تحت الكلمة العربية المخططة "حب" التي تظهر على جسد امرأة كما على أجساد ذكور بأشكال هندسية. وترافق هذه اللحظة الجسدية أنشودة رتيبة ترنمها أصوات مخملية على خلفية موسيقى من الشرق الأوسط أعيد توزيعها وتكييفها لتناسب العرض. ولا تتوانى بو عبدالله عن تركيب أغنية حب على صور مثيرة وتعديل رثاء المغنية حتى تصبح تنهدات غامضة، وآيات حول علاقة عاطفية تجمع بين الإثارة والخداع والحب والموت، فيسود الخلط مع دمية من الزخارف الملونة. تنجح هذه الصور في تأريخ سن الشعر الإباحي من القرن الثامن عندما كانت قصائد أبو نواس تلهب الجماهير وتثير دهشتهم.

من شأن هذه الأجساد التي تتحرك على الشاشة أن تؤدي إلى بروز فن تطفلي من "الأجساد المكبوتة" يسلّط فن الفيديو الضوء عليها عن طريق جمالية اللحظة المسروقة حيث يحرص الفنانون الجزائريون على عكس مسار المراقِب المراقَب باقتراح صورة فيديو متصلة بالواقع: "هنا، تكمن المسألة في مظهر يسيّره الزمن ويسمح للزمن بأن يتوسّع كفكرة."[4]

في الجزائر، لا يعرض فن الفيديو في هيكليات محددة شأن المهرجانات والغاليريهات. ومن ضمن الأجيال الجديدة في الجزائر وبما أن شبكات الإنترنت قد أتاحت للجدد الاطلاع على أعمال الفيديو، بتنا نشعر بالحاجة إلى اختبار هذا الوسيط. لذلك، أصبحت الأعمال الفنية الرقمية مثل الواجهات للفيديوهات التفاعلية للويب الوثائقي "صيف في الجزائر" متوفرة من دون الحاجة إلى نشرها في معرض، فتكون عرضة للرقابة وعوائق المجتمع. [5]في هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى أن سلخ العمل الفني عن مواجهته المحتومة مع المكان الذي تم إنشاؤه فيه لمحبط للفنان لأنه يختزل مجال عمله. من المعروف أن العمل الفني يجد شرعيته في التجربة التي يقوم بها مشاهدوه، أياً كان أصلهم بحيث أن قوته تكمن في قدرته الأساسية على المس بالمشاعر والأرواح. وكلما اقترب العمل الفني من البعد العالمي الذي ينتمي البشر إليه، من معاناتهم، من فرحهم، من مخاوفهم، من وجودهم، كان أكثر تقديراً أو رفضاً. ولا شك في أن غياب الهيكليات الثقافية الصالحة في الجزائر يشكل حجر عثرة في هذا الصدد: عموماً، يتعذّر على الجمهور الوصول إلى إبداعات الفيديو للفنانين الجزائريين الذين لا يزالون مشتتين. إن فن الفيديو يقترن بجودة فورية أكثر من أعمال النحت أو الرسم. هناك حاجة ملحة إلى إنشاء أحداث ثقافية في الجزائر حتى يستطيع الجمهور المحلي أن يواجه هذه التجربة في الوقت الحقيقي وكما ينقلها الفنانون الجزائريون. الآن وقد تغلّب "الجثة المفقودة" على غياب كيان المعرض، إنه لمن واجبنا أن نستمر في مقاومة الفراغ من خلال تطوير أكثر القضايا الأخلاقية الملازمة لاستحداث المساحات وجذب الجماهير من أجل دمج فن الفيديو في الجزائر.

 

 

ملاحظات:
  1. Ramon Tio Bellido, Ed., Le XXe siècle dans l’art algérien [The twentieth century in Algerian art] (Barcelona : AICA/ AFAA, 2003): 12.
  2. Quoted in Florence de Meredieu, Arts et nouvelles technologies [Art and new technology] (Bologna: Larousse, 2003): 92.
  3. Henri Bergson, Matière et mémoire [Matter and memory] (1896) (Paris: P.U.F, 1993): 29.
  4. Georges Didi-Huberman, Ce que nous voyons, ce qui nous regardent [What we see, what watches us] (Paris: Editions Minuit, 1992): 105.
  5. راجع www.un-ete-a-alger.com

Amina Zoubir

Artist and curator. PhD candidate at AIAC (art des images, art contemporain), University Paris 8. Lives in Paris, France, and Algiers, Algeria.

(الترجمة من الإنكليزية: ماري يزبك)

عمّار بوراس
انتقادات دموية بلا تعليقات
2001، 7 دقائق

رشيدة أزضو
الثلاثي المكتئب
2009، دقيقتان

مصطفى سجّال
الشعب، بطل وحيد
2012، 5 دقائق

زليخة بوعبدالله
العتّال
2009، دقيقتان

 
نفس
Back to Top