تدخل الفضاء: من الصميم إلى العالم

بحسب: Eline van der Vlist | حزيران 2014

عندما أسست الفنانة زينب سديرةأريا (إقامة الفنانين في الجزائر) استناداً إلى برنامجها الأساسي الذي طرحته في العام 2012، كان أحد أهدافها تعزيز تواجد الفنانين الجزائريين دولياً. فأصبح الفنانون الجزائريون الستة - أمينة منيا، عاطف برجم، فيصل بكريش، حنان بن عمّار، ماسينيسا سلماني، وصادق رحيم – يعرضون أعمالهم في موزاييك رومز في لندن في معرض "تدخل الفضاء: من الصميم إلى العالم" وهو من تنظيم القيّمة الفنية ومنسقة مشروع أريا ياسمين ريغاد.

إن المفهوم واسع النطاق بما فيه الكفاية لإعطاء الفنانين مساحة كبيرة للتفكير – ما يشكّل نقطة قوة المعرض ونقطة ضعفه.

يتم عرض أعمال أربعة فنانين معاً في المعرض الرئيس في موزاييك رومز وقد نفّذ العرض المشترك بشكل جميل. خارج المدخل، وقبل أن يدخل الزائر الصالة، يجد سلة ممزقة قليلاً ومنسوجة يدوياً موضوعة على قاعدة خشبية صغيرة. إنها جزء من تجهيز "لنتنفس الصعداء: لم يكن من تاريخ لنا" (2014) لحنان بن عمّار الذي عرضت أجزاؤه في أنحاء القاعة كافة. وقد استقدمت الأغراض العادية - التي تشمل أيضاً محفظة، وكيساً بلاستيكياً، ووسادة مقعد - من الجزائر. هي تصدر الأصوات بدورها، بعضها بشكل متكرر والبعض الآخر كأنها قصة قصيرة تتم روايتها على الحاضرين. إلا أنه ورد في البيان الصحافي أن العمل يسرد روايات خيالية ممكنة ومعقولة ويؤديها من سيرة حياة [الفنانة] الخاصة ". ومع أن هذا العمل يعرض في قاعة هادئة، بيد أنه يكاد يكون من المستحيل أن يسمع المرء أو يفهم الكلمات المنطوقة، فضلاً عن وجود انفصال غريب بين الوصف والعمل الفعلي.

من ناحية أخرى، يبدو عمل ماسينيسا سلماني "ديار الشمس" (2013-2014) مؤثراً في بساطته. فقد تم وضع أوراق صفراء لاصقة على طاولة مضيئة رسمت خطوط عريضة لملعب كرة قدم على سطحها الأبيض ويمثل كل من هذه الأوراق مسكناً فعلياً. وإذا حكمنا من خلال الحسابات المكتوبة بخط اليد على كل ورقة من الأمتار المربعة المحدودة، والعدد غير المتناسب من الناس، وسجل الأمتعة المتناثرة، يبدو لنا جلياً أننا ننظر إلى تمثيل منازل الصفيح، بما يشكل ردّاً يائسأً على أزمة الإسكان. وقد علّقت على الحائط المجاور نسخ من تقرير صحافي حول المواجهات في العام 2009 بين الشبان وقوات الأمن في حي ديار الشمس في الجزائر، كلها مموهة ببضع جمل واضحة. فهي تشير إلى قصة خيبة أمل، كما إلى الفجوة الآخذة في الاتساع بين 99٪ من الناس وعدد قليل من الطبقة العليا. إنها قصة نعرفها جميعاً، ولكنها تتحمّل معنى مختلفاً من منطقة شهدت تحوّل مسار فك الارتباط إلى ثورات فعلية على مدى السنوات القليلة الماضية.

يحتل الطرف الآخر من القاعة تجهيز "توبوفيليا. القطعة الموسيقية" (2014) الجديد والخاص بالموقع لصادق رحيم. يتألف هذا العمل من عرض على الجدار، ورفّين بعدة مسبوكات، وطاولة عرض مع رسومات مختلفة على الورق العادي والورق الشفاف، ويندرج في إطار مشروع كلّف به الفنان في أثناء إقامته في موزاييك رومز تلبيةً للمساحة الفيكتورية الطراز. ويعني مصطلح توبوفيليا حرفياً "حب المكان"، ولكنه يمكن تفسيره أيضاً بالشعور بالاتصال الثقافي أو الهوية. هو واقع غالباً ما يضطر فنانو اليوم - وخاصة أولئك الذين ينتمون إلى خلفيات غير غربية - للتعامل معه ليجدوا لنفسهم مكاناً في عالم الفن الدولي. فالهدف يكمن في إبراز المحلي مع المحافظة على العيش في القارة العالمية. وبمجرّد عرض دراسة عن حب المكان الذي يعمل رحيم عليه لفترة مؤقتة، يسعى الفنان إلى أن يلفت الانتباه إلى وجود مسافات يكون فيها المحلي حاضراً حيث تكون المسافات متواجدة.

تحمل نصف قاعة معتمة تجهيز فيصل بكريش "نصف ما تراه" (2010). بإيحاء من قول بنيامين فرانكلين "لا تصدّق ما تسمع، وإنما نصف ما ترى"، تحتوي القاعة على كرة بوليسترين تدور حول محورها مع مجرد مرآة صغيرة مرتبطة به. ومن شأن ضوء ينير الكرة أن يلقي بظل يدور على الجدران المحيطة. ولا شك في أن الأعمال البصرية تستقطب الانتباه بسهولة، ولكنها ليست كافية لتبرير المزيد من الفضول.

في القاعة المتواجدة في الطابق السفلي من "موزاييك رومز"، يبحث عمل "مغلق رقم 0" (2013) لأمينة منيا في التاريخ الغريب للمبنى العام الذي شيّده في وسط المدينة في العام 1928 الفرنسيون لإحياء ذكرى الشهداء الـ4500 الذين لاقوا حتفهم في الجزائر إبان الحرب العالمية الأولى. وباعتباره رمزاً للقمع الاستعماري بعد ما يقرب 50 عاماً، عمل على تحويله بناء على طلب من رئيس بلدية الجزائر الرسام الجزائري محمد ايسياخم. بدلاً من تدميره، غلّف منحوتة من الإسمنت استحالت النصب التذكاري للشهداء. وبفضل قصاصات الصحف، والبطاقات البريدية، والصور، ومقابلة مع أحد الفنانين الذين يعملون على منحوتات سبعينيات القرن العشرين، حرصت منيا على تغليف التاريخ المعقد للاستعمار والاستقلال وحقبة ما بعد الاستقلال بأناقة. والصور الثلاث التي تبيّن الحالة الراهنة للنصب، مع المبنى العام الذي يظهر من خلال الشقوق البديهية في الإسمنت، معبّرة على وجه الخصوص.

أما العمل السادس والأخير المعروض فيكمن في تجهيز فيديو مزدوج الزجاجة نفّذه عاطف برجم. يظهر فيلم "سلسة التواصل" (2014) المصور من زاويتين مختلفتين زاوية شارع في الجزائر العاصمة مع سيارات تتحرك في الغالب من شاشة إلى أخرى. وتبرز جملة مقتبسة من العربي بن مهيدي (1923/1957) مكتوبة بخط اليد على الجدار: "ارموا الثورة في الشارع فيحتضنها الشعب". بالرغم من هذا البيان النبيل، ونشوء عدة ثورات في الشارع، في الماضي كما في الحاضر، تبيّن الفيديوهات بقاء الوضع الراهن على ما هو عليه.

إن كل الفنانين الذين يعرضون أعمالهم هم ناشطون على المستوى الدولي مع أن معظمهم لم يعرضوا في لندن من قبل، ويبدو جلياً كيف يمكن للمنظمات مثل موزاييك رومز أن تترك تأثيراً حقيقياً. إلا أن الجانب السلبي لتنظيم المعارض الجماعية المبنية في المقام الأول على أساس الجنسية وحدها يكمن في اضطرار الفنانين لإيجاد أرضية مشتركة أخرى لتبرير تجمّعهم. وفي هذا السياق، لم ينجح "تدخل الفضاء: من الصميم إلى العالم" في الارتقاء إلى مستوى إمكاناته الكاملة. لذا، تستحق العناوين الرئيسة أكثر من زيارة لموزاييك رومز.

 

Eline van der Vlist

Artistic Director at Darat al Funun in Amman, Jordan.

(الترجمة من الإنكليزية: ماري يزبك)

تدخل الفضاء:
من الصميم إلى العالم
16 أيار/مايو – 28 حزيران/يونيو 2014

The Mosaic Rooms

Tower House
226 Cromwell Road
London SW5 0SW
United Kingdom

القيّمة الفنية:
ياسمين ريغاد


محتويات ذات صلة:

01-135
مقابلة مع زينب سديرة حول برنامجها الدولي الجديد لإقامة الفنانين. الفنان الزائر الأول: نيسان كوسنتيني.
02
مشاريع وتدخلات حضرية في إطار انتقادات شعرية للوضع الاجتماعي والسياسي السائد في الجزائر.
thumb
تتحدى أمينة منيا وزينب سديرة المحطات التاريخية والهوية في سياق الجزائر المعاصرة. يقام المعرض في روايال هيربينين أكاديمي بالعاصمة الإيرلندية في دبلن، إيرلندا.
 
نفس
Back to Top