سلمى وسفيان ويسي: هنا وهنالك

بحسب: هاوبت و بيندر | شباط 2012

بيندر وهاوبت: عندما دخلنا إلى صالة المسرح في برلين حيث كانت الخشبة معدّة لأدائكما، رأينا عرض فيديو مقسوماً إلى قسمين مظهراً ساعة بوقت تونس من جهة وساعة بوقت باريس (وهو نفسه وقت برلين) من جهة أخرى. فمنذ كنَا في انتظار أن يبدأ العرض، تكوّنت في بالنا أفكار حول مسألة الغياب والفراق كما كانت لنا تساؤلات عميقة عن موضوع "الزمان الحاضر والمكان الحاضر". وبما أننا نعلم تماماً أنكما لطالما عملتما معاً، راودنا شعور بأن ما نترقّبه ليس بعرض خيالي، إنما هو واقع اختبرتماه وما زلتما تعيشانه. فما واقع حياتكما وكيف استطعتما تجاوزه؟

سلمى وسفيان ويسي: بالنسبة إلينا، لا بدّ من أن يتغذى الفن من الحياة، من حياتنا نحن تحديداً، ومن وضعنا، ومن عصرنا، ومن حالتنا الشخصية. يجب ألّا نحبس الفن في استديو (بأي حال نحن لا نملك الوسائل اللازمة للاستفادة من هذه الرفاهية) بل يجب أن يواجه الفن الظروف الأولية لمعيشتنا كالظروف الاقتصادية ومشاكل الاستحصال على تأشيرة دخول إلى بلد ما ومشكلات السفر وغيرها.
كما وأن فكرة الزمان الحاضر والمكان الحاضر موجودة بالفعل. إنها فكرة تلازم العمل الفني الذي لا يوضع ضمن إطار زمني محدد إنما يوضع في أزليّة الوقت الحاضر. فيمثل هذا العمل بحثاً عن طريقة نكمل من خلالها إنتاج الفن ونستمر في القيام بأعمال فنية بالرغم من القيود التي تفرضها علينا حياتنا وهي بشكل أساسي المسافة التي تبعدنا الواحد عن الآخر. (سفيان في تونس وأنا في باريس. لا يسع سفيان السفر بسهولة وأنا محتجزة في باريس بسبب الأمومة وغياب الإمكانات المادية بالكامل). غير أننا ما استطعنا أن نتوقف عن العمل معاً. فكان لا بدّ من اختراع طريقة مختلفة للقيام بعمل فني أي للرقص. لم نرد أن نفقد نشاطنا بأي شكل من أشكال رفض الحاضر. وبالوقت نفسه، الأمر متناقض لأننا بهذا المفهوم، نحارب هذا الحاضر كوننا نسلّط الضوء على هذا الانقسام وعلى هذه اللحظة. فالفكرة (بحسب الفيلسوف نيتشيه) هي أن نحاول أن نتمتع بالوقت الراهن وأن نعمل به وأن نستخدمه ونتبناه حتى نجد فيه إنجازاً. إنها خبرة تتعلّق بالمكان الحاضر وبالزمان الحاضر، لا بل بوعي وإدراك لما يمكن أن ننجزه معاً من خلال هذا الزمان وهذا المكان، ومن خلال وضعنا في هذا الوقت بالذات من حياتنا. فالحاضر قد يشكّل بذاته مظاهرة أم تبياناً لهذه الحال. وبالواقع، إذا ما عشنا في هذا البلد ولم تكن لنا الإرادة الكافية التي تدفعنا إلى الاستمرار، قد يؤول بنا الأمر في نهاية المطاف إلى أن نتخلّى عن هذا العمل وننتقل إلى مجال آخر مختلف تماماً بسبب كثرة المصاعب التي تتربّص لمقام الفنان وبسبب جمود مصادر الخلق جموداً مملّاً.
بالإضافة إلى وجوب توفر أرض للعمل، نحن بحاجة ماسة إلى أن نعمل معاً حتى نستطيع أن نبدع. إنها الطريقة الوحيدة التي تناسبنا. وقد أقول حتى إننا في العمل الفني نصبح كائناً واحداً. إنه السبيل لعملنا، ولأن نكتب ما ندرك وما نأخذ على عاتقنا.
وبالعودة إلى عرض Here(s) (هنا وهنالك)، فالفكرة كانت أن نجمّل ظروف العمل هذه التي فرضت علينا وأن نشرك الآخرين بها لأنها بدت لنا فريدة وخاصة بعصر معيّن. فالكل يتواصل اليوم من خلال الإنترنت. أما ما ركزنا عليه، فكان كيفية أن نجد طريقة لخلق حدث راقص ولتسليط الضوء على هذه المساحة بيننا، وهي عبارة عن مكان متقلّب قد تظهر فيه عوامل كثيرة خارجة عن إرادتنا. كما أننا نتعلّق بشكل خاص بفكرة أن هذا المكان المعروض يغيب عنا نحن إذ ليس بمتناولنا، وهو يضم تلميحات صغيرة ومؤشرات وأشياء من حياتنا - ما أتحدّث عنه هنا هو العرض الذي أقيم في شقة كلّ منّا من دون أي تجهيزات مسرحية ومن دون سابق تحضير - وهذه الأمور كلّها قد تنتج صوراً مختلفة وقصصاً متنوعة بحسب من يشاهدها ومن يسمح بأن يستثمر اقتراحاته الخاصة فيها. فلعلّ الاحتفال بالحياة يحدث ههنا، في بساطة الأمور الصغيرة وفي غياب أي هدف نتطلّع إليه. كذلك، أردنا من خلال هذا العرض أن نجمع عدداً من الناس في مكان واحد لنتشارك هذه الخبرة المتواضعة، خبرة حميمة مع الوقت.
بيندر وهاوبت: كيف تمكنتما من تصميم هذه اللوحة الراقصة ومتى قررتما أن تضيفا إليها المزيد من الحلول المرئية والتكنولوجية بالتعاون مع ياسين سبتي؟

سلمى وسفيان ويسي: ارتكز عملنا على إبراز جسم معيّن في مساحة معيّنة وعلى جعله يتفاعل مع هذه المساحة لنقدّم ماهيّته في الوقت الحالي. وهنا نتكلّم على تأدية عرض للزمان الحاضر والمكان الحاضر في بيئة اختلف فيها - أم لا- استعمال الأشياء عمّا هو عليه في الحياة اليومية. فاتّبعنا إذاً أسلوب الارتجال كما راقبنا تحرّك كلّ منّا في شقّته. ثم قمنا باستكشاف تلك الاقتراحات كلّها من خلال نظرة كلّ منا، أمام شاشته. لقد وضعنا قيوداً ومن خلال الإستجابات غير المتوقعة إلى تلك القيود، كتب كلّ منا للآخر لغة الفن التشكيلي والحركات. وتضمن ذلك تنفيذاً مباشراً تغذّى من القيود بذاتها التي فرضتها البيئة ومن اللحظة التي قدّمها كلّ منا بينما كان الآخر يحاول أن يلتقط حركة الطيران ليستخرج الحركة الأساس التي منها ولدت سلسلة الحركات الأخرى إضافة إلى مكان كثيف ومكان متحوّل أو على الأقل مقترح. ولا بد من أن نشير إلى حجم الطاقة التي استنفذناها في هذه الاختبارات وفي هذه البيئة التي تسكنها حركاتنا اليومية ويهيمن عليها الفراق، وفي هذه المساحة التي بيننا وكأنها نقطة ارتكاز للهوّة التي تفصل في ما بيننا. كما أن ما أردناه هو أن نلتقط وأن نكتب تمثيلاً مسرحياً للجسم في يومياته وفي بيئته الحميمة. فأي وجود للجسم في هذه المساحة الآنية مع الوسيط الأكثر آنية وهو الجسم بنفسه بمحاولة للابتعاد قدر الإمكان عن التدخل الجمالي في تلك القصيدة العفوية لهذا الوجود؟ فالهدف يبقى إيجاد اللحظة الحميمة حيث يتأرجح الوجود في جاذبية عرض خيالي.
ولـ"مَسَرحَة" هذه المساحة، هذه البيئة المحلية، عملنا مع ياسين سبتي الذي أعاد رسم المساحة وغيّر بناءها أحياناً، مضخماً بعض التفاصيل وعاملاً على مفهوم "ما بين المساحتين وما بين الزمانين" الذي فيه وجدنا، كما قدّم بنى متطورة. وقد أقول إن ياسين ومن خلال صور الفيديو تلك، قد عمل على تصميم رقص من خلال حركاتنا في شقة كل منا ومن خلال العلاقة التي تجمعنا.
بيندر وهاوبت: يشدد الصوت المتأخر في نقل الحياة (بالنسبة إلى المشاهد) على حس "المجهود" المبذول في بناء الجسر التكنولوجي، إلا أنه في الوقت نفسه يشكل نوعاً من الرنين الوجودي. فكيف ترتبطان كليكما بالصوت وبالإيقاع في خلال تأدية الرقصة؟

سلمى وسفيان ويسي: بدا لنا هذا التأخير في الصوت الذي طرح مشكلة في البداية بخاصة بالنسبة إلى ياسين، وكأنه من المعطيات التي ينبغي تقبّلها في إطار هذا الشكل الجديد من التواصل. في الحقيقة، حاولنا أن نفهم هذا الأمر وأن نستغل هذه المهلة لكتابة أحداث الرقص على أساسها. وفي الوقت ذاته، قدّم لنا هذا التأخير تضخيماً لواقع حياتنا حيث نوظّف الكثير من الطاقة لنستطيع أن نسمع بعضنا البعض وحيث لا مهرب من المهل لدخول خيال الآخر ولمساعدتنا للتوصل إلى أن ننقل إلى الزمن الواقعي كيفية تركيب واقع تواصلنا وتفكيكه وكيف تم الانتقال الوهمي لعلاقتنا بمحاولة منا لابتكار عمل فني يعود إليها. ففي النهاية، تمكنا من أن نتوقف عن الانشغال بكيفية تقديم قراءة مستقيمة ومنظمة لهذا العمل الفني بل أن نتقرّب من التقطّع الواقعي لهذا الشكل من أشكال التواصل. ويسمح ذلك أيضاً بتقديم رؤيا أكثر نشاطاً للمشاهد مع لعبة غير متوقفة من التعرّف والاختيار والتغيّر وإعادة التدوير.

بيندر وهاوبت: عندما ينظر كلّ منكما إلى آلة التصوير عن قرب، يتهيأ لنا كمتفرّجين أنكما تنظران إلينا مباشرة. ولكن عندما تبدأ سلمى بتنظيف حاجبيها مستخدمة الشاشة كمرآة، نصبح كمختلسي النظر. فما شعوركما أو أفكاركما تجاه المشاهدين في خلال تأدية العرض؟

سلمى وسفيان ويسي: في الحقيقة، نحن نتلاعب على معاني النظرة: نظرتنا إلى الآخر ونظرة الآخر إلينا. وفي النهاية، ندعو المشاهد من خلال هذه القطعة الراقصة إلى اتخاذ موضع الشاهد الحميم على حياتنا اليومية وعلى عاداتنا وعلى مكان سكننا. ومن هنا، تولد علاقة مختلفة بالمشاهد، يصبح من خلالها شاهداً، لا بل مؤمَّناً على واقعنا وبالتالي نمنحه إرادياً فرصة أن يختلس النظر إلى حميمية حياتنا. ففي حياتنا اليومية، نختبر تلك المواقع المختلفة التي تتخذها نظرتنا إلى الآخر وعلاقتنا بحميميّته. وبوجود الإنترنت في أيامنا هذه، أصبح من العادي أن نشارك في تجوال مشاهد من حياتنا الحميمة.
كذلك، نشير أيضاً إلى أننا أحياناً نظن أننا نرى أموراً فيما نحن فعلياً لا نراها، كما نعتقد أننا متحكمون بحياتنا، بينما ليس هذا واقع الحال.
بيندر وهاوبت: في العام 2007 قمت بتنظيم المهرجان المتعدد التخصصات "مدينة الأحلام" في الساحة العامة في تونس، بالاشتراك مع عدة فنانين آخرين وسيقام المهرجان مجدداً في أيلول/سبتمبر هذا العام. فما الاختلافات والتشابهات ما بين دور مصمم الرقص ودور منظم العروض؟

سلمى وسفيان ويسي: قبل أن تكون مدينة الأحلام معرضاً فنياً في الساحة العامة، هو بلورة رغبة في تصميم الرقص شعرنا بها سفيان وأنا. فمنذ العام 2006، أردنا ان نجد وسيلة لتصميم رقصة تتمحور حول مسيرة وطنية في مدينة تونس، على أن يكون هذا التصميم اختباراً راقصاً جماعياً احتفالياً لتثبيت الوجود ولإحياء ضمير الشعب. ومن هنا، أقيمت مدينة الأحلام. وبعد ذلك، حملنا الشغف والولع بالابداع الفني إلى ألّا نجعل من مدينة الأحلام حدثاً منتهياً، إنما نظمنا ما سُمّي بفوضى الأحلام وهو آلية مرافقة للفنانين المختارين من خلال بحث يجرى مع أناس من مجالات العلوم الانسانية والفن والساحة العامة لملاقاة الفنان في شكوكه ووحدته وحدسه وملاقاة الإبداع الذي يتم خلقه. وفي خضم التغيرات والتحولات والتأخر والانتظار، نرى حركة ونظرات متعددة وأفراداً وأحاسيس. ثم نقوم بجمع كل تلك العوامل. لا أدري إن كنا منظمي حفلات. إن ما نحاول أن نطلقه هو حركة تتبلور وتتكوّن وتخلق مجدداً ومجدداً. أما كل ما تبقى، فليس بمهم. فالغاية الأخيرة ليست مهمة.

بيندر وهاوبت: هل من معلومات أولية حول ما يمكن أن نتوقعه هذا العام في مدينة الأحلام وما يمكن التعليق عليه؟
سلمى وسفيان ويسي: ما أستطيع قوله هو أن نظرة الفنانين إلى مجتمعهم غير متوقعة بالنسبة إلى البلدان التي شهدت ثورة " تحريرية "ّ! ويُنتج هذا البحث وهذه المرافقة للفنان طوال تسعة أشهر نظرة إلى ما يحدث في مجتمعنا.

هاوبت و بيندر

جيرهارد هاوبت وبات بيندر رئيسا تحرير مجلة الفن نفس وشركاء في نشرها، وينشرا منذ عام 1997 المجلة الإلكترونية عوالم في عالم - عوالم الفن، ويعيشا في برلين - ألمانيا.

(الترجمة من الإنكليزية: ماري يزبك)

هنا وهنالك. 2011
أداء رقصة على الإنترنت، مع راقصين في مدينتين مختلفتين: باريس وتونس
45 دقيقة

المفهوم والكوريغرافيا:
سلمى وسفيان ويسي

التجهيز التفاعلي والمعلوماتي:
ياسين سبتي

13 كانون الثاني/يناير 2012

دار الثقافة في برلين، في إطار عمل مهرجان نقاط لقاء 6 برعاية أوكوي إنويزور


محتويات ذات صلة:

00
مقابلة مع المدير الفني أوكوي إنويزور بشأن موضوع الحدث الأساسي في زمن التغيير.
01_Zedz
النسخة الثانية للمهرجان النادر للفن المعاصر في البلدة القديمة في تونس العاصمة في تونس.
 
نفس
Back to Top