متحف أدوات ترد الغياب

مداخلة في متحف الفن الحديث في الكويت، 22 أيار/مايو – 12 تموز/يوليو 2012، تبحث في تاريخ الفلسطينيين الاجتماعي في الكويت. تنسيق آلاء يونس.
بحسب: آلاء يونس | أيار 2012

عززت فلسطين مشاريع الوحدة والتعاون العربي في تزامن مع مشاريع النهضة والحداثة التي فجرتها تحولات شكل العالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين، لا سيما الكويت التي استقبلت وجود الفلسطينيين وعملهم فيها على شكل استثنائي. سبق ذلك وصول الفلسطينيين إلى الكويت في بعثات مدرسين للعمل في مدارسها في الوقت الذي زامن ظهور النفط في حقول برقان أواخر الثلاثينات. وعلى إثر حروب ١٩٤٨ و ١٩٦٧ استقرت أعداد أكبر من الفلسطينيين في الكويت لتصل إلى ٤٠٠ ألف فلسطيني عشية العام ١٩٩٠. في زمن سبق زمن الكفاح المسلح، خاض الفلسطينيون في الكويت كفاحاً معيشياً في بيئة كانت تأخذ خطوات متسارعة نحو الحداثة، في الوقت الذي انتظروا فيه قيام دولتهم الخاصة.

يسائل متحف أدوات ترد الغياب آثار وجود أو غياب مجتمعات الأقلية وثقافتها على المجتمعات التي تسكن بها. يبحث المشروع في خصوصية هذا الظهور الفلسطيني عبر إنتاج مجموعة من ثمان وعشرين قطعة فنية تنشد ما بهت من هذا العصر الذهبي للمجتمع الفلسطيني الكويتي وتستذكره. يوظف المتحف الحرفة والفن والذاكرة ليتم عرض المشروع كمداخلة فنية في «متحف الفن الحديث» برعاية المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في دولة الكويت، ما بين ٢٢ مايو/أيار و ١١ يونيو/حزيران ٢٠١٢ .

تقترح مجموعة المتحف عرضاً خاصاً لتاريخ المجتمع الفلسطيني الكويتي، بينما ينأى المتحف في بنائه لمجموعته عن تخليد شخصية أو قصة بعينها بقدر ما يعتمد عمومية ظهور مرجعيات هذه القطع في أزمنة وجود المجتمع الفلسطيني الخاص في دولة الكويت. في غياب العموم الرسمي للصور الجماعية والقصص والأرشيف تعتمد الذاكرة، الهشة والمجزأة، مرجعاً لبناء مجموعة من مثل مقتنيات هذا المتحف، حيث تتراكم هذه الذاكرة وتتفكك وتتجمع وقد تضيع في بعض الأحيان. على مجموعة المتحف أن تعيد إنتاج قطعاً عن/من الماضي لتفهم بها الحاضر، وبذلك تتخذ ظهوراً حقيقياً ومستحيلاً في ذات الوقت: ظهور متحفي، فريد، قيم، وجديد، يتخيل ويستعيد تاريخ وتراث الفلسطينيين في الكويت. كل الأشياء هنا تقع ما بين الذاكرة والمستحيل. هي أوسع من أن تضم وقد يستحيل استعمالها.

متحف أدوات ترد الغياب هو سلطة مستقلة تطرح في ذات الوقت أسئلة حول من يهب السلطة لصناعة مثل هذا المتحف. بنفس القدر، يعتمد هذا المتحف على تحرير مجموعة المقتنيات من مبنى أو موقع محدد تعرض فيه بشكل دائم، في مقابل أن تتحرك هذه المجموعة في معارض تستضيفها متاحف وفضاءات داخل وخارج البلد الذي أنشئت فيه. مكان وزمان زيارة مجموعة المتحف يتغيران بشكل مستمر فلا يصل جمهور محلي إلى مجموعة هذا المتحف بشكل دائم أو دوري. تتعدد الجماهير التي ستتعرف على مقتنيات المتحف بتعدد رحلاته وأشكال عروضه، لكن عرضه الأول كان لا بد أن يكون في الكويت.

على خط ممتد بين علامتين زمنيتين، هما علامة في تاريخ فلسطين، يمتد زمن هذه المجموعة الرحالة المصنعة، والتي تعتمد رؤيتها على أشكال ومواد مرتبطة بذلك الزمن: استخدام الذهب متعلق بالمادة وليس بالمنظر في «ألمسطرة» (جودت إريك) والتي تختصر إلى خط زمن ذهبي واقع بين نكبيتين فلسطينيتين: ١٩٤٨ و ١٩٩٠. كذلك «سلسال» (مهند عبود) والتي نحتت بالذهب مقولة «كلنا للكويت والكويت لنا» الشهيرة والتي أطلقها أمير الكويت وشاعت بين المواطنين في زمن ألمسطرة. يستحيل ارتداء هذا العقد، فطرفاه قاسيان متوازيان لا ينثنيان، وبالتالي لا يلتقيا. كذلك خاضت مجموعة المتحف في شكل الوجود من بيئة و الوجود فيها: على الزائر أن يمعن النظر في زخارف «ثوب» (رائد إبراهيم) ليرى كيف تبدلت بنقوش المطرزات الفلسطينية. كذلك ضاقت فتحة الرأس أكثر من المحتمل مقيمة حداً يلزم بالبقاء خارج أو تحت هذا الثوب وليس داخله.

يقيم الفلسطينيون خارج كتاب تاريخ الكويت اليوم، بينما تتعقد سبل الوصول إلى وثائق هذا التاريخ الواقعة في الذاكرة والمجموعات الخاصة والأرشيف الشخصي. يذوب كتاب «تاريخ» (محسن حراقي)، المفرغة صفحاته من أي تسجيل، في حوض ماء. وبينما يفكك الزمن عناصر هذا العمل، يتأخر ظهور كتب أخرى تسجل عموم وجود الفلسطينيين وعدمه في الكويت إلى اليوم. المتحف هو طريقة، عرض، اقتراح قراءة أو تسجيل من شكل وطعم خاص، وثيقة، لتاريخ يضاعف الغياب تلاشيه. كمثل هشاشة سطح «ذاكرة» (من راسي) الذي ستتحرك فيه بصمة غبار الكويت من مكان إلى آخر بمجرد وقوع إصبع أحدهم عليه. يتجرأ المشروع على «الامكان» باختيار استحالة ثبات ذاكرة المكان.

صور الوجود في الكويت تعتمد على الذاكرة والرواية والأرشيف الشخصي. يمكن أن نجمع أطراف القصة بتأويل الأعمال في هذه المجموعة وبالترتيب الذي نختاره. علبة «كاكاو» (كامل أبو يحيى) تحمل صوراً لكويت خيالية، تحولت إلى ذلك بعناصر ظهرت في الصورة هي ليست في المشهد الحقيقي اليوم في الكويت. الخيال هو الإضافة التي يضعها أحدهم للرواية ليتمكن من رؤية الصور ترجمة للكلمات. رحلات الصيف والروايات عن الكويت اعتمدت كذلك على الـ «فلس» (مسروب). يقتطع قلب الفلس المحلي بقطعة تذهب إلى فلسطين: 5٪ من الراتب لدعم منظمة التحرير، وقطع أخرى لدعم مشاريع بقاء فلسطينية أخرى من بناء وغذاء وتعليم... وكذلك الانفاق في البيئة المحلية على أشكال الحياة. بات الفلس الكويتي قرشاً فلسطينياً أيضاً. وفيما لم يضيّق كثير من الفلسطينيين في الكويت على أنفسهم، كذلك لم تضيق الكويت نفسها على المشاريع الفلسطينية الطامحة المتخذة من الكويت منطلقاً لها. اتحادات الطلاب والعمال والزراع والرياضة والنساء وإنعاش الأسر وكثير من الفصائل الفلسطينية (إلى تاريخ ١٩٩٠) ومنظمة التحرير ولجان أخرى أسسها كويتيون لأجل فلسطين. عاماً بعد عام، دعمت الكويت فرق الرياضة الفلسطينية عبر نواديها التي تسمت بأسماء مدن فلسطين وتعدت الأربعة عشر نادياً. في خريطة «حولي» (محمد أبو سل) تركز خطوط الحركة على الدوران المحتمل في مشاريع ومرافق ومساكن ومدارس منطقة حولي، الأشهر والأكبر من حيث التركيز السكاني الفلسطيني، وتخرج منها لتصلها بمناطق أخرى في الكويت ومن ثم إلى مشاريع خارج الكويت في مدارس وجامعات ومساجد فلسطين ومخيمات ومنازل ومشاريع الدراسة بلبنان والأردن ومصر، وكذلك المباريات الدولية من مثل أولمبياد كاليفورنيا العام ١٩٨٤. يعود العمل «يالأزرق» (خالد الحربان / محسن الطمار) في مرجعيته إلى الدقائق اليومية الخمسة التي سبقت نشرة أخبار الثامنة صباحاً في إذاعة الكويت إبان مباريات الدوري الفلسطيني والذي كان يقام في ملاعب الكويت. تبارت النوادي الأربعة عشر في مختلف الألعاب الرياضية من كرة القدم والسلة والطائرة والملاكمة وغيرها على أرض الكويت وكانت تعلن نتائج السباقات هذه في الصحف المحلية جنباً إلى جنب أخبار الدوري المحلي والمسابقات المحلية.

ابتدأت كراسات الدراسة الابتدائية في المدارس الكويتية بجملة «مع حمد قلم». في «نسخ» (بلال الشريف)، ثلاث رسوم على شفائف في صناديق ضوئية، نرى «حمد مع قلم» وكذلك مع زميله في الدراسة «حمص» والذي حمل قلماً أيضاً. جاءت مهام الفوج الأول لفلسطينيي الكويت ذات أهداف تعليمية، تطورت منها إلى قيام وزارات من مثل المعارف وغيرها، وكذلك انتشار الفلسطينيين يعلمون ويتعلمون في مدارس الدولة. ما بين ١٩٦٧ و ١٩٧٦ تحولت كثير من مدارس الكويت الحكومية في فترة ما بعد الظهر إلى مدارس لمنظمة التحرير، لتستوعب الأعداد الهائلة من الطلاب الفلسطينيين الذين وصلوا بعيد النكسة. كذلك قامت في باحات مدرسة عبدالله السالم المهرجانات السنوية لانطلاقة فتح، بأعلامها وأهازيجها ورؤوس تنظيماتها وزوارها. لا بد أن زمالة ربطت بين حمد وحمص تعود إلى زمن تجاورا فيه على مقاعد الدراسة. كذلك قد يكونا قد تابعا، ومن ثم جمّعا، في زمن واحد أعداد مجلة «العربي» (من راسي) التي تنجح إلى اليوم في اختيار مواضيع تصلح للنشر في الدول العربية متجاوزة العوائق المادية والإخبارية للحدود والأنظمة. في المتحف، يفرد عدد خاص من المجلة على شكل صندوق ضوئي يتصدر غلافها صورة نموذج «متحف» (نبيل يونس) لأدوات ترد الغياب. ركب نموذج المتحف من قطع ليغو صممت لتحاكي متحف هيربرت جونسون للفن في الولايات المتحدة والذي وضع تصميمه المعماري أي إم بيه. قامت تصاميم المعماري الشهير لمبان واسكانات على أرض الكويت من قبل. يعلن العدد الخاص من مجلة العربي كذلك تضاعف أعداد زوار المتحف على إثر إتمام مشروع جسر الكويت-فيلكا. يتصور متحف أدوات ترد الغياب على جزيرة فيلكا، أرض المشاريع المتحفية المتعثرة وسكنى أوائل المدرسين الذي وصلوا من فلسطين في الثلاثينات من القرن العشرين.

الآباء في الكويت، كانوا يقتنون أنواعاً خاصة من السيارات الأمريكية شاعت كذلك في ذلك الزمن لتتغير علاقتهم بها بعيد عام ٩٠. البنزين أغلى بمرات منه في الكويت، وأياً أصبحت السيارة وصاحبها فإن عقد المقارنات مع حياة الكويت يعقّد مسألة التأقلم في بيئات جديدة. في مجموعة المتحف مرآة جانبية لسيارة «بويك» (صانع ايطالي)، نحتت من الرخام الأبيض ومع جملة التحذير التي ظهرت وقتها على المرآة الجانبية من أن الأشياء في المرآة هي في الحقيقة أقرب مما قد تبدو عليه.

تسترجي، أو تحذر، جملة وداع الكويتيين الشهيرة، ترى لا تنسونا، الراحلين من النسيان. جملة واحدة على سطح «صابون» (أمين الطباخي)، عرضة للذوبان في الأمكنة والأزمنة الجديدة. في المجموعة عنصر آخر يترك ليأخذ هو بالتفكك اعتماداً على زمن عرض المتحف وتفاعل الجمهور معه، كعكة «خير» (زياد هلال) هي برتقالة ضخمة، كتلك في يافا التي يمجد ذكرى بيارتها وجاراتها من أشجار الزيتون الذي حُمل زيته وزيتونه موسمياً هدايا إلى فلسطيني العالم أينما كانوا، لا سيما في الكويت. أعيد إنتاج تنكة الزيت بحجمها الحقيقي على شكل «هدية» (ربيكا جوسلين) من الفضة الخالصة تحمل أختام الفضة الانجليزية وتلك الخاصة باليوبيل الماسي الملكي للعام الحالي. ساهمت لغة الفلسطينيين العربية ووقوعهم تحت الانتداب البريطاني في كانوا هدية انتهاء الانتداب الانجليزي على المنطقة. تتصدر مجموعة طوابع «قدوم» (بلال الشريف) أشكال وسائل النقل التي استعملها الفلسطينيون، وغيرها، للوصول بشكل شرعي وغير شرعي إلى الكويت، ومن أشهرها صهريج الماء البطل الأساسي في قصة غسان كنفاني «رجال في الشمس». رسمت هذه الطوابع باستيحاء معاصر من شكل الفن الفلسطيني الذي شاع ما بين السبعينات وأوائل التسعين. بيئة الكويت هي خلفية هذه المجموعة، وتجاور في المتحف بلورة زجاجية تحبس رملاً. على زوار المتحف أن يخضوا بلورة الزجاج ليتحول الرمل إلى ما يشبه زوابع «طوز» (زجاج ديكسون) الكويت الخاص. وفيما تتسارع حبات الرمل في الرجوع إلى قاعدة البلورة، يتجمد الزمن في وسادة زينة، اقتبست شاشة من لعبة أتاري شهيرة، أيضاً شاعت وشكلت جزءاً من الخصوصية التكنولوجية والزمنية التي وفرتها بيئة الكويت آنذاك. واجه الفلسطينيون والكويتيون ذات العوامل المناخية والتكنولوجية وكذلك الأخطار التي تهددت الكويت في ذلك الزمن. لعل أشهرها، زحف تسرب نفطي من حقل نيروز الإيراني عبر الخليج العربي إلى شواطئ الكويت. يتنا (جاءتنا) بقعة الزيت، هي واحدة من الأغاني التي ماجت في البلاد توعي بأسلوب فكاهي السكان المحليين باحتمالات الخطر القادم. من سقف المتحف تتدلى وحدة إنارة على شكل قطرة مائلة مغذاة بالكهرباء لتصبح «ضوء» (بيكه بيرغمانز). عاد خطر تسرب النفط مرة أخرى ولكن بشكل أكثر عنفاً في أعقاب عام ٩٠.

في هذه المجموعة لا يتساءل المتحف عما إذا كان «لا بيت» للفلسطينين في الكويت، وإنما عن ذلك البيت في الكويت الذي كان وقام وارتبط بذاكرة أجيال كاملة، قبل أن يرتبط بمصائرهم. تعيد النسخة المحدثة من قصة زكريا تامر ومحي الدين اللباد، «لا بيت»، النظر في أشكال وأنواع البيوت لأشياء ظهرت في الكويت في زمن ألمسطرة الذهبي. يعاد نقش مخطط الشقق السكنية الشبه متطابقة التي سكنها الفلسطينيون، وغيرهم، في العمل «شقة» (جورج فلوسيش) والمنقوش خضاً على لعبة إتش آ سكتش المشهورة بإطارها الأحمر. وفيما يعاد إنتاج مفاتيح أبواب وخزائن وسيارات هذه البيوت في الكويت مكبرة الحجم من الأكريليك الشفاف، يضاف مفتاح الرجوع، مستحيلاً جديداً، إلى مجموعة «رجوع» (حكيم جماعين) لذكرى مفاتيح ذلك الزمن. مفتاح الرجوع هو كبسة زر على لوحة مفاتيح حاسوبية، وظيفتها أن تهب لما بعد النقطة، بداية جديدة أول السطر.

 

آلاء يونس

فنانة مستقلة وقيّمة على معارض فنية، مولودة في الكويت في العام 1974. تقيم في عمان، الأردن.

متحف أدوات ترد الغياب

مداخلة في متحف الفن الحديث، الكويت

11 أيار/مايو - 12 تموز/يوليو 2012

المشاركون: كامل أبو يحيى، محمد أبو سل، مي باط، بيكه برغمانز، بلال الشريف، جودت إريك، برونو فانتوني، خالد الحربان، محسن الطمار، محسن حراقي، زياد هلال، رائد ابراهيم، حكيم جماعين، ربيكا جوسلين، بنغو كارادومان، كاثرين مورلنغ، بول ريبوليتي، أمين الطباخي، جورج فلوسش، خديجة يوسف، ونبيل يونس.

تنسيق: آلاء يونس

إنتاج:
مشاريع من راسي

برعاية المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، دولة الكويت

 
نفس
Back to Top