مريم غاني: قصص موجزة عن الانهيارات

الفيديو الذي أعدّته في دوكومنتا (13) حول القصص المعقّدة لقصر دار الأمان في كابول والفريديريشيانوم في كاسل. بقلم آيمي ماكي، حزيران/يونيو 2003
بحسب: Amy Mackie | حزيران 2012

إن "قصص موجزة عن الانهيارات (2011 - 2012)" هو أكثر مشاريع مريم غاني طموحاً حتى الآن. فيعالج شريط الفيديو بقناتين الذي يعرض للمرة الأولى في دوكومنتا (13)، القصص المعقدة لقصر دار الأمان في كابول في أفغانستان ومتحف الفريديريشيانوم في مدينة كاسل في ألمانيا. لقد شيّد القصر في العام 1929، ولكنه سرعان ما أصبح أطلالاً، مع أنه كان جزءاً من خطة الملك أمان الله لبناء مدينة مثالية جديدة في أفغانستان. وبعد قصف الحلفاء لمدينة كاسل في العام 1943، بات متحف الفريديريشيانوم الذي انتهى العمل فيه في العام 1779، في حالة من الفوضى أيضاً. فأعيد بناؤه ومنذ العام 1955، يشكل موقعاً مخصصاً لاستضافة دوكومنتا. سيعرض التجهيز أيضاً في قصر الملكة في حدائق باغ بابر في كابول، كجزء من معرض يتضمن أعمالاً لفنانين من دوكومنتا (13) أنتجوا مشاريع في كل من كابول وكاسل.

إن خلفية غاني وبحثها الواسع النطاق في أفغانستان بصفتها أمريكية من أصل أفغاني ولبناني، يشكلان مصدر إلهام مستمر لعملها الذي استثمرت من خلاله في أوقات التغيير السياسي والاضطرابات الاجتماعية وغالباً ما أخذت تراقبها. فهي مراقبة ذكية للأحداث التاريخية، ما مكّنها من أن تنسج الحكايات بعناية لتحوّلها إلى شبكات من الصور والأصوات والأحاسيس. ومن شأن فهمها للمنطقة من منظور ليس سياحياً أو مألوفاً، وليس غريباً تماماً أو أصلياً حقاً، أن يسمح لها بأن تحتل مكانة فريدة تبحر بفضلها في ثقافة نادراً ما يمكن إدراكها خارج التسميات الثنائية. وبعد أن شاركت في العمل في مجال السياسات في آسيا الوسطى، باتت مطلعة على تجربة عالم قلة من الفنانين يعرفونه. ويجمع "قصص موجزة عن الانهيارات" بين مختلف جوانب ممارستها التي أقامتها على منصات متباينة، ما ساهم في ازدياد اهتمامها بالحركة، والذاكرة الجماعية، والسياسة العامة.

ومن أعمال غاني الأكثر شهرة هو "فهرس المفقودين" (2004 - إلى الوقت الحاضر)، وهو عمل يقوم على تعاون مستمر مع شيترا غانيش، ويشكل أرشيفاً لوثائق حكومية منقحة، ونصوص مختارة، ودراسات حالات، كما أنه يعدّ بمثابة منبر للحوار حول الفترة اللاحقة لأحداث 11 أيلول/سبتمبر التي شهدت حالات اختفاء واعتقال وإبعاد وترحيل سري وتحرير. ولعل بحث غاني في مجال النضالات الاجتماعية والسياسية وقمع الحكومة هو الأكثر مباشرة في هذا المسعى الخاص، مع أنها انشغالات تتكرر في ممارستها. وفي هذا السياق، تمثل "كابول 2، 3، 4" (2002 - 2007) سلسلة من أفلام وثائقية قصيرة صوّرت في سنوات متتالية في كابول وباتت تمثل بطرائق متعددة النقيض الجمالي لمشروع "الفهرس" حيث تتم المحافظة على مدينة تكافح من أجل البقاء على قيد الحياة من خلال لمحات من الشوارع، والمواطنين، والهندسة المعمارية، الكفيلة بأن تبقيها واقفة على قدميها.

باللجوء إلى اللقطات التصويرية المتتبعة والمستمرة في "قصص موجزة عن الانهيارات"، يرشد الفيديو المشاهد من خلال الزمان والمكان ويشركه في مطاردة لا محدودة لنقطة نهاية مجهولة. ولفهم مقاربة غاني للمحلية والحركة، يجدر التوقف عند تمييز ميشيل دي سيرتو بين الفضاء والمكان واستنتاجه أن "الفضاء هو مكان يمارس". [1]

يشكل قصر دار الأمان ومتحف الفريديريشيانوم اللذان شابتهما الحروب وتعاقبت عليهما هيكليات سلطة متغيّرة وشهدا انتفاضات وانهيارات متعددة، مستودعات مترددة نوعاً ما. هي مساحات - محتلة كانت أم لا – لم تكن ولن تكون ثابتة يوماً.

تماماً كما أشرطة الفيديو التي أنتجتها غاني في الماضي بالتعاون مع راقصين، يجمع "قصص موجزة عن الانهيارات" فن العمارة والتاريخ والأدب والسينما. ويشرك المشاهد في حوار حميم حول الخصوصية ويعالج هفوات الذاكرة والثغرات التاريخية. ومن شأن "واجب النسيان" أو بالأحرى "نسيان التذكر" اللذين ناقشهما هومي بهابها في كتاباته عن الزمن والسرد وهوامش الدولة الحديثة أن يصفا الطريقة التي تصنع فيها الهوية الوطنية والتاريخ الجماعي. [2]

وقد أصبح قصر دار الأمان في كابول ومتحف الفريديريشيانوم في كاسل اللذان أدّيا أدواراً معقدة على مر التاريخ، شاهدَيْن على الهويات المتحوّلة للمدينتَيْن – وناسهما على حد سواء.

وفي عمل غاني، تتابع الكاميرات حركات شخصيات تظهر في الواجهة ومن ثم تختفي، متنقلةً عبر الهندسة المعمارية وساعية إلى نقل حركة سلسة بين الهيكليتين. وتعتبر الفنانة أن "كاميرا واحدة تطارد شبحاً من الماضي لا يمكن استيعابه تماماً، في حين أن كاميرا أخرى تطارد رؤية غير محققة وبالتحديد المستقبل الممكن الذي يستحيل أن يصبح حقيقياً تماماً في الوقت الحاضر". [3] يقوم التعليق الصوتي الشاعري المرافق للفيديو بقيادة المشاهد بين التاريخ الحديث ويومنا هذا. وهو الرفيق المثالي لعمل "أفغانستان: معجم" (هاتيي كانتز، 2011) الذي أنتجته مريم غاني بالتعاون مع أشرف غاني كجزء من مطبوعات دوكومنتا (13) "100 ملاحظة، 100 خاطرة". وهذا المعجم الغني بالحقائق، والحكايات، والأرقام، والصور الأرشيفية، يغطي 71 مصطلحاً تتعلق بتاريخ أفغانستان في القرن العشرين. وتشدد كل المساعي على أنه لا يجوز أو لا يجدر أن تؤخذ كل العناصر المذكورة على علاتها نظراً إلى توفّر عدة نسخات ممكنة من هذه القصص.

يعالج الفيديو أيضاً السنوات التي أمضاها الأخوان غريم في متحف الفريديريشيانوم حيث عملا كأمينَيْن للمكتبة واستمدا الإلهام لإعداد قصصهما الخيالية. وليست قصص غريم قائمة على الرعب وحسب، بما يعكس المآسي الاجتماعية والسياسية المفصّلة في المعجم، فإن كتابتهما تجسد أيضاً هذا النوع غير الخطي من رواية القصص التي تستهوي غاني وتستخدمها في "قصص موجزة عن الانهيارات". وبمحاكاة البنية السردية للقصص الخيالية، تعمد إلى المزج بين الأحداث التاريخية والافتراضات، والشائعات، والأسطورة. وعند بدء الفيديو، تستعرض النفي التالي.

بدأ الأخوان غريم هذه القصة بعبارة "كان يا مكان" ولعلهما أضافا "وسيكون مرة أخرى". الواقع أن الحكايات الشعبية العربية كلها تبدأ بهذه العبارة – أكان هناك أم لم يكن – بمعنى أن القصة التالية قد تكون قد جرت أو لا كما رويت. وفي كلتا الحالتين، يبقى اقتراح قائماً بأن الزمن لا يتبع بنية خطية بحتة، وإنما يقوم على بنية تنحني حول أحداث القصة بحسب إرادة الراوي. [4]

لا شك في أن القصص الواردة في "قصص موجزة عن الانهيارات" المحبوكة بذكاء والمنفّذة بسهولة عن قصر دار الأمان ومتحف الفريديريشيانوم هي حكايات تستحق أن تروى.

 

ملاحظات:
  1. ميشيل دي سيرتو، ممارسة الحياة اليومية (بيركلي: مطبوعات جامعة كاليفورنيا، 1984)، 117.
  2. هومي بهابها، موقع الثقافة (لندن ونيويورك: راوتلدج، 1994)، 160 – 161.
  3. مريم غاني، البريد الإلكتروني الشخصي (أيار/مايو 2012).
  4. مريم غاني، صوت الراوي من "قصص موجزة عن الانهيارات" (2011 – 2012).

Amy Mackie

Independent curator and writer. Based in Atlanta, GA, USA.

(الترجمة من الإنكليزية: ماري يزبك)

مريم غاني
قصص موجزة عن الانهيارات. 2011 – 2012
فيديو بقناتَيْن
تجهيز صوتي بقناة 7.1

معروض في:
دوكومنتا (13)
9 حزيران/يونيو – 16 أيلول/سبتمبر 2012
كاسل، ألمانيا

بتكليف وإنتاج
دوكومنتا (13)
مع الدعم الإضافي المقدّم من
مؤسسة غراهام للدراسات المتقدمة في الفنون الجميلة

 
نفس
Back to Top