كولسون كرا مصطفى: إتيكيت

بحسب: November Paynter | شباط 2011

يمكن لقواعد الإتيكيت وحسن السلوك والخلق والأدب وما يجدر فعله وعدم فعله في المجتمع أو المدرسة أو الأسرة أن تكون مقبولة كما هي بصفتها هيكلية يمكن إدراكها ضمن سياق الزمان والمكان. وبحكم طبيعتها، غالباً ما تعتبر قواعد الكياسة الاجتماعية هذه فطرية أو على الأقل غرائزية لا سيما أنها لم تدوَّن في الماضي. فكانت التصورات الأولى لقواعد الإتيكيت المقبولة المسجّلة تتخذ شكل قوانين صادرة عن المحكمة. وبدأت الكتب حول الموضوع تنتشر نتيجة السياسات التجارية الجيدة باعتبار أن الأسواق وطرق التجارة أخذت تنمو وأصبحت أكثر رسوخاً. وظهرت سوق أكبر للأدلة عندما أصبح السفر أكثر شيوعاً وفضّل الناس اكتساب قواعد مقبولة محلياً لتناول الطعام والاتصال بغية تسهيل انخراطهم في نظام مجتمعي غير مألوف.

Pour bien connaître les usages mondaines

إن هذا اللغز الناجم عن لقاء الشرق بالغرب والتحوّل الطارئ على الرغبة والإدراك - بين التطلعات إلى الخيال الشرقي أو الحداثة الغربية – داخل المكان والسياق وخارجهما لطالما أثّر في ممارسة كرا مصطفى الفنية. وقد ظهر اهتمامها بتمثيل النساء في هذه الحقبة وإبراز سلوكهن في عدد من أعمالها بما في ذلك تلك التي تستخدم فيها لوحات استشراقية مثل "مجموعة الأعمال المزدوجة للأوهام الشرقية" (1999 - 2000) و"تجزئة/أجزاء" (1999) و"من الخارج" (1999). وفي هذا السياق، أصبح اكتشافها لهذا الكتاب الذي يركز على فكرة مقولبة للإتيكيت تسمح بتنظيم الصلة بين الشرق والغرب أداة مثالية تلجأ إليها لتتحدث عن مفهوم إضفاء الطابع المثالي على المواقف الغربية في الشرق ضمن تجهيزها الجديد إتيكيت (ترويض الشرق).

إن مؤلف الكتاب هو عبد الله جودت (من مواليد العام 1869) الذي تدرّب كطبيب وتخرّج من المدرسة الملكية للطب في الإمبراطورية العثمانية. ومن الواضح أنه كان شخصية متطرفة شعرت بالقرب من حركة التغريب وكان مع أصدقائه أول من نظّم مناهج خاصة من التفكير بعد الإصلاحات الإدارية والسياسية (التنظيمات) في العام 1839 في الإمبراطورية. وكما تلاحظ كرا مصطفى: "في سياق الكتاب المؤقلم، يدافع المؤلف عن حجة تغريب الشرق بكل الوسائل. إنه يدرج هذه الحجة في إطار التمييز الطبقي مستنداً إلى كل تفاصيل نمط الحياة البرجوازية ومسدياً المشورة حول سلوك عاملات التنظيف والساسة. وهذا ما يضفي الفرادة على هذا الكتاب من ضمن أمثلة أخرى من الكتب عن حسن الخلق في مواكبة الغرب، وقد تمت طباعة عدد لا يستهان به في تلك الفترة عندما أخذت الظروف تتغيّر بسرعة في تاريخ الإمبراطورية القائمة آنذاك والأمة التي تحوّلت إليها".

لا يمكن لكرا مصطفى أن تتذكر شخصياً دروس الإتيكيت التي تلقتها بينما كانت في المدرسة في اسطنبول. ولكنها تلقت فعلاً - كما ذكّرتها به إحدى صديقاتها في المدرسة مؤخراً بينما كانتا تتداولان في تطور عملها "إتيكيت" – دروساً حول قواعد التصرّف والسلوك عند العشاء والمهارات الاجتماعية وغيرها. وليس من المستغرب أن تنسى كرا مصطفى هذه التعاليم باعتبار أنها أمرأة تتمتع بشعور عميق بالتنمية الشخصية والاستقلالية. وسرعان ما تشير كرا مصطفى إلى هذه الحياة التي كانت مغمورة فيها من دون أن تكون مجبرة على قبولها كما يراها الغير. ويصب أحدث أعمالها "اعترافات مناهضة للحمامات" (2010) في الاتجاه ذاته. وتدور أحداث الفيلم حول مجموعة من الصور لأحد حمامات اسطنبول القديمة ولكن السيناريو المكتوب بصيغة المتكلم يصف عدم زيارة كرا مصطفى أياً من هذه الحمامات يوماً في المدينة. فهي تعتبر وعائلتها أن الاغتسال في الحمام بات ممارسة عفا عليها الزمن منذ عقود. وقد حثّت اقتراحات المجتمع المخملي للسلوك الواردة في كتاب جودت كرا مصطفى إلى الرد بأساليب مختلفة. الواقع أن مركَّب النص العربي والشخصيات الغربية يشكل تناقضاً بحد ذاته ولكنه يبدو في الوقت نفسه مغرياً لبساطته وغرابته تماماً كما يبدو صادماً بادعائه. وبمعالجة المواقف المتعددة الطبقات من هذه الرواية المعقدة ولكن من دون السعي إلى أن تكون صحيحة سياسياً، تتلاعب كرا مصطفى بهذه الأنظمة المقننة وتطبيقها وفرضها.

في إتيكيت، وضعت طاولة في الوسط كهيكيلة تفصل بين موقعين - الضيف والمضيف، المخدوم والخادم، المدعو وغير المدعو علماً بأن هذه الطاولة تضفي انطباعاً معيارياً على فهم أوسع للآداب. وإذا كان حسن التصرّف يبدأ في البيت كما يقولون، فإنه يبقى الأكثر تحديداً وتشاركاً على طاولة الطعام ولا سيما في مأدبة رسمية. في التجهيز، يبدو أن وليمة تنتظر الجمهور ولكن الطاولة لم توضع بعد "بشكل صحيح" كما ينص عليه كتاب جودت. فقد يشعر كل من يدخل هذه القاعة بعدم الارتياح بوجود مثل هذه المأدبة غير المنظمة. ومن ثم، يصبح تنسيق الصحون والأكواب والمناديل جلياً. وعلى كل أداة من أدوات المائدة المصنوعة من الخزف الصيني، طبعت صور وتعاريف من الكتاب. واصطفت على أوراق مذهبة وبأحرف تركية عثمانية العبارة الزخرفية التالية: "فرض آداب الحياة الدنيوية".

حول الطاولة، تتوفر 36 عارضة حديدية ملوّنة تنطلق من الأرض وتبلغ السقف. ومن شأن حيوية لون الطلاء أن يخفي للحظة أي تشابه مع قضبان نافذة السجن أو الدرابزين التي تفصل بين الوطن المنشأ وطبيعة الحديقة البرية. إلا أن هذه الحواجز تبقى هي العناصر المرجعية، تكمن وظيفتها في الاحتواء والفصل، وهي استراتيجية استخدمتها كرا مصطفى غير مرة من قبل. ففي الواقع المزدوج (1987)، يظهر عارض أزياء (وجدته كرا مصطفى في ممر تيركيز في اسطنبول واشترت قميص نوم امرأة كلباس له) في إطار مزدوج من القضبان الحديدية التي توضح موقعه كما تراه كرا مصطفى داخل مساحة معينة ضائعة بين الحقيقة والخيال. وتشكل هذه القضبان نموذجاً لتلك المستخدمة في إتيكيت حيث تضطلع بدور مماثل. في "الواقع المزدوج"، يبدو جلياً أنه لا يجوز للجمهور أن يدخل إطار العمل مع أنه يستطيع ذلك. وينطبق الوضع نفسه على إتيكيت. فكيف يجب أن يتفاعل المرء مع هذا الحاجز الموحي؟ من يستحق الدخول ومن لا يستحق والأهم ارتباطاً بكتاب جودت الذي يملك حق تصنيف الطبقات والفئات الفكرية على أساس التصرفات والعبارات المتعلَّمة؟ من شأن علامات أخرى تقدّمت بها كرا مصطفى مثل "أنت هنا الآن" (1989)، وهو تجهيز خاص بموقع محدد فرض خطاً مادياً أحمر حول بوابة الجنازة في متحف آيا صوفيا في اسطنبول، أن توضح تحديد الحيّز وموقعه سواء كان ذهنياً أو مادياً أو مرجعياً وتشكك في تحديدات الوصول ونظمه.

تبرز أفكار كرا مصطفى حول استيراد الذوق الأوروبي في اثنين من آخر أعمالها، "دفن النوم" (2001) و"التسوية" (2004). في العمل الأول، يستعرض التجهيز المشتمل على ساعتين استقدمتا من أوروبا القرن التاسع عشر شكلاً آخر من عملية استيراد الغرب إلى الشرق المقبولة باعتبارها رمزاً للذوق والطبقية و"التعلّم". كان التجار يشترون هذا النوع من الساعات في أوروبا كهدايا يمنحونها إلى موظفي الدولة أو يعلّقونها في المكاتب الرسمية في مدن مثل اسطنبول حيث ذكر بوضوح دفع الأوربة الممتد زمنياً على الأمة. أما "التسوية" التي عرضت في معرض التسويق الإثني في جنيف (2004) فتضمّ مجموعة من الصور تبحث في من يحق له أو يتوقع منه إنتاج مخيّلته الخاصة المتمثلة في هذه الحالة برؤية استشراقية لفنانة تقيم في تركيا. وتحرص شخصيات كرا مصطفى النسائية الأربع على إعادة ابتكار إيماءات وحركات مستوحاة من هذا النوع من البورتريه "الاستشراقي". فإما تنظر مباشرة إلى الأمام وإما تشيح بنظرها بعيداً عن الكاميرا. وضمن هذا العالم، تؤدي الساعتان المقترضتان من "دفن النوم" وظيفة حمل اللوحة على خوض رحلة مماثلة - قبول نموذج أوربة قمعي ينطوي على الموقف البرجوازي نفسه من "إتيكيت". من شأن هذين العملين، وعلى وجه الخصوص استخدام الساعة، أن يدرجا "العالم الضائع" الذي يتعذّر على كتاب جودت الفرار منه ضمن إطار. ومع أن هدفه كان يكمن في ترجمة لغة للمستقبل، إلا أن عمله يشمل بدلاً من ذلك مجموعة واسعة من اللغات والأنظمة ويستضيف جدول أعمال طبقي. مع مرور الوقت، أصبح هذا الكتاب إضافة تزيينية غامضة وساحرة يأسرها انجذابنا إلى ألغاز الماضي. أما في إتيكيت، فتستخدم الصفحات لإشراك الجمهور بصرياً ودعوتهم إلى مواجهة تحديات إعادة تطبيق المعاني الواردة فيها. وقد حرصت كرا مصطفى على وصف التعامل مع هذا الكتاب على النحو التالي: ما ترك في الخلف هو هيكلية وعمل فني، بل أمر دقيق مشرّع على التفسير والتأويل.

 

November Paynter

Associate Director of Programs and Research at SALT, Istanbul, Turkey.

منشور في: كولسون كرا مصطفى / إتيكيت. دليل مرافق للمعرض، صالات عرض معهد العلاقات الثقافية الخارجية في شتوتغارت وبرلين. دار نشر كونست نورمبرغ الحديثة، 2011
بإذن من: صالة عرض معهد العلاقات الثقافية الخارجية في شتوتغارت والمؤلفة
(الترجمة من الإنكليزية: ماري يزبك)

معرض انفرادي...
كولسون كرا مصطفى

4 شباط/فبراير -
9 نيسان/أبريل 2011

ايفا جاليري شتوتجارت

Charlottenplatz 17
Germany

صالة عرض معهد العلاقات الثقافية الخارجية في برلين

6 أيار/مايو -

26 حزيران/يونيو 2011

 

الدليل:

كولسون كرا مصطفى

إتيكيت

دار نشر كونست نورمبرغ الحديثة، 2011

الفكرة: كولسون كرا مصطفى، أيريس لينز

النصوص: أيريس لينز، نوفمبر باينتر، كولسون كرا مصطفى

 
نفس
Back to Top