لا يشبه معرض القدس أي حدث فني آخر لأنه تم إعداده بطريقة تمكّن من كشف النقاب عن السياق المادي والسياسي الذي يجري فيه. أما العمل الذي يستند إلى موضوع محدّد فيعكس حقيقة الواقع الذي يشكّل جزءاً لا يتجزأ منه. ويتمحور موضوع معرض هذا العام حول الاستنزاف الذي يتم تعريفه على أنه الوضع الدائم والمتواصل لواقع الشعب الفلسطيني ولا سيما في مدينة القدس حيث تنعكس عليه نتائج الفشل السياسي على أشدّ مستوياتها.
افتتح معرض القدس أبوابه في العام 2007 وقد جاء ثمرة لجهود مؤسسة "المعمل للفن المعاصر". لأول مرة، يتم تنظيم المعرض هذا العام بالاشتراك مع مؤسسة "حوش الفن الفلسطيني" للفنون. وقد تمت دعوة نحو ثمانية عشر فناناً من جنسيات مختلفة فلسطينية ودولية لعرض أعمالهم التي تستكشف قضايا تتعلق بموضوع الاستنزاف في سياق المدينة ومحيطها. وقامت مؤسسة المعمل في بعض الحالات برعاية الأعمال التي رأت أنها تناسب الموضوع. فضلاً عن ذلك، عمدت مؤسسة "حوش الفن الفلسطيني" بتكليف أحد عشر فناناً فلسطينياً لإنتاج أعمال جديدة.
تم تنظيم المعرض في أحد عشر مكاناً من المدينة تندرج جميعها ضمن إطار الشركاء أو المتعاونين مع مؤسسة المعمل على مدى عدة سنوات. أما السمة المميّزة لمعرض القدس فتتمثل بالجولات التي تُنظّم سيراً على الأقدام حول هذه الأماكن في خلال ساعات الليل وتعرّف الناس على تصميم المدينة القديمة ومكامن أماكن العرض نفسها بهندستها المعمارية و/أو الداخلية المبتكرة. ومن شأن هذا الجانب من معرض القدس أن يستحدث فوراً علاقة وثيقة ووطيدة مع المكان وهي علاقة تُعتبر أساسية بالنسبة إلى تجربة المعرض مثلها مثل عرض الأعمال بحد ذاته.
وكان موضوع "الاستنزاف" واضحاً جداً وملموساً بعد مشاهدة بعض أجزاء الأفلام المتعلقة بالافتتاح حيث يُظهر فيلم رائدة سعادة "قطرات" (2010) وجه الفنانة في لقطة قريبة جداً بينما تخرج المياه من فمها بطريقة تشبه مشاهدة أوفيليا وهي تحاول ألا تغرق في النهر، في حين أن فيلم تيسير بطنيجي الذي يوثّق أداءه في قطعة "رحلة مستحيلة" (2002-2009) يكشف عن رجل يجرف الرمل بلا هوادة من كومة إلى أخرى في مهمة لا يمكن أن تتطور أبداً. وقد فرض الجدار المنحني والرطب والمتداعي الذي تم عرض الفيلم عليه نفسه أيضاً على العمل بشكله وملمسه.
وقد أضاف هذا المزيج بين صورة الفيلم ومميزات الحيّز المعمارية بُعداً مرئياً وسياقياً إلى عدة أفلام فيديو أخرى تم عرضها بشكل مباشر على جدران المدينة القديمة. وتضمنت هذه العروض فيديو لأريان ميشيل عن بومة باريسية تأملية بعنوان "العيون المستديرة" (2006) وفيديو آخر لفنان فضّل عدم الإفصاح عن اسمه عن هرّة تقوم بالخرمشة من دون جدوى على لوح زجاجي في "مفاوضات مباشرة" (2007). في الواقع، طلب اثنان من الفنانين المشاركين في معرض مدينة القدس هذه السنة البقاء مجهولَين خوفاً من المخاطر التي قد تحدق بهما من جراء ارتباط اسمَيهما بمعرض يُقام في "إسرائيل". ولكن هذا الموضوع نفسه لم يمنع الفنانة الإيرانية بهار بهبهاني من الكشف عن كامل اسمها إذ شكّل فيلم الفيديو المُخيف الذي أسمته "المعلّقة" وقامت بتصويره في طهران في العام 2007 عملاً آخر تمكّن من إدراك كنه الموضوع بشكل كامل بما أنه يُظهر فتاة معلّقة رأساً على عقب بينما تنتقل الكاميرا بالتناوب بين نظرتها إلى الأمور ونظرتنا إليها. ومن ثم ينهمر المطر ويبلّلها ويتم إشعال حريق في الخلفية وراءها. وتجري الأمور بشكل طبيعي حيث تلعب الهررة وتنقّط الحنفيات وهي لا تزال معلّقة مغلوب على أمرها وغير قادرة على القيام بأي حركة بشكل مستقل.
وتسلّطت الأضواء على عمل آخر أجاب على السؤال الذي يطرحه الموضوع بدقة ولم يكن حتماً سلبياً وهو عمل شكّل ظاهرة بما أنه أداء فني ثلاثي للطبال الفرنسي أورييل بارتيليمي إذ عزف في ثلاثة أمكنة مختلفة وكان أداؤه الأخير عبارة عن جلسة مرتجلة تماماً قُصِدَ بها الاستمرار حتى يُصبح مُرهقاً جداً من العزف من الناحيتين الجسدية والنفسية. لسوء الحظ، تم إنها هذا العرض بعد مرور ساعتين على بدايته بسبب مشادة حصلت مع الجيران بسبب أجهزة الصوت، ما دفع الأطفال إلى رمي الأغراض من على سطح المبنى حيث كان العرض الموسيقي يُقام.
أما العمل الفني الموسيقي الآخر الذي أُلقيت عليه الأضواء فقد كان قطعة "الانهيار (2010) المتعددة الأوجه للفنان الأمريكي مايكل راكوفتز. فقد قام هذا الفنان باستكشاف الانهيار في التواصل الذي أدى إلى تفّكك فرقة "البيتلز" بطريقة تزامنت مع انهيار المفاوضات السياسية. وتضمّن الجزء الأول من المشروع برنامجاً إذاعياً مؤلفاً من عشرة أجزاء تم بثه طوال الفترة التي أقيم فيها معرض القدس على راديو أمواج في رام الله. أما الجزء الثاني فقد تمثل بإعادة لحفل فرقة البيتلز الأخير الذي أُقيم على سطح مبنى ولكن هذه المرة على سطح مبنى في مدينة القدس القديمة بالتعاون مع أعضاء فرقة "صابرين" الفلسطينية ومجموعة من آلات العزف الكلاسيكية الشرقية والغربية الحديثة. وتخللت هذا العرض مقاطع من العزف الارتجالي وترنيمات منفردة على العود والقانون والناي والطبلة والقيثارات الكلاسيكية والكهربائية، ما أفضى إلى أداء فريد من نوعه لعدة أغانٍ لفرقة البيتلز.
أما العمل بعنوان "ما إن تنتهي" للفنانة المولودة في كرواتيا فلاتكا هورفت فقد كان بمثابة استكشاف للمفاوضات والإستراتيجيات على شكل لعبة على الطاولة بين شريكين يجلسان مقابل بعضهما البعض ويستخدمان يديهما فقط للتواصل. وقد تم تسجيل هذا التبادل المطوّل على سطح الطاولة وعرضه مباشرة على شاشة كبيرة وراءهما لتمكين المشاهدين من المشاركة في الدراما الإنسانية للأداء بحد ذاته والهرب إلى فنّ تصميم الرقص السمعي والمرئي الصرف للأيادي المحرّرة.
ولا بدّ من الإشارة إلى مشروعين آخرين مهمين يكمنان في إطلاق كتاب جديد من تأليف الفنانة يمنى شلالا بالتعاون مع جانو غوصي والمعرض المتعلق به بعنوان "بيتنا، بيتنا الجميل" الذي نشأ عن إقامة الفنانَين في مؤسسة المعمل في مطلع هذا العام، فيما أدّى مشروع التعاون الذي بادر به الفنان البرتغالي ريغو 23 وساعده فيه طلاب الأكاديمية الدولية للفنون في فلسطين إلى طلاء جدار دائم خارج مؤسسة المعمل.
ضمّ مشروع الفنانين الفلسطينيين الشبان مجموعة عمل مؤلفة من أحد عشر فناناً تم توزيع أعمالهم على ثلاثة مقرات. في الحوش، تم عرض صورة أخذها يزن الخليلي وتجهيز لنسرين نجار. أما عمل ديما حوراني "نوريال" (2010) فعبارة عن مجموعة متنوعة تجمع بين مستحضرات التجميل والعولمة والاحتلال في حين أن إيناس ياسين قدّمت جزءاً من مشروع جارٍ يستكشف تاريخ السينما وفقدانها في فلسطين. وفي الحوش أيضاً، عرض تجهيز للفنانة ميرنا بامية، وهو عبارة عن صندوق كبير اسمه "حقيبة استراق النظر" (2010) حيث يمكن الاحتفاظ بالأشياء في مراطبين تحتوي على مياه ملونة ويمكن مشاهدتها من خلال ثقوب صغيرة. وتم تنسيق بقع الألوان الزاهية المتعددة وغير الاعتيادية من خلال زخرفة متفائلة في "بوظة" وهي مجموعة من عشر لوحات للرسام الفلسطيني محمد فضل تم عرضها في المركز الثقافي الفرنسي. وعلى عكس العمل المتفائل الذي قام به محمد فضل، فقد كان عمل كريم أبو شقرة 2010... 67... 48 (2010) عملا مُحزناً وكئيباً قام برسمه على أربع لوحات عُرضت على جدار مركز الجالية الأفريقية الخلفي بكامله، إذ قام بتصوير تفاصيل ثابتة للنزاع وبجانبها صور مباشرة ملفتة للنظر ونواح من الحياة الطبيعية. وكان لهذا العمل تأثير ملحوظ في هذه المساحة التي فرضت نفسها من الناحية الهندسية وتضمنت أيضاً منحوتة مُزعجة قامت بنحتها الفنانة رندا مداح وصورتها عدسة محمد الحواجري. أما الأعمال الأخيرة في المشروع فتمثلت بفيديو الفنان سلامة الصفدي الذي صوّره خلسة بواسطة كاميرا الهاتف الجوال ويروي تجربة وقعت على حاجز، وفيدو عن محطة متنقلة لتوقف الباص شكّلت الحلّ الذي ابتكره مؤيد عملة للفلسطينيين الذين يُطلب منهم الابتعاد عن محطات توقف الباصات القريبة من مستوطنات الضفة الغربية.
قدّم معرض القدس عدة عروض أفلام ومناقشات فنية. في مؤسسة المعمل، تم عرض رسومات للفنانين خالد جرار وأسد عزّي وصور لجمال جمالييف وعيسى فريج بما فيها الصورة المخصصة لتكون ملصق المعرض لهذه السنة. نظراً إلى المخاوف المرتبطة بمخاطر اعتبار الصورة جدّ استفزازية فقد أفسح المجال لتصميم ملصق آخر ولكن الأمر تطلّب تبادل رسائل إلكترونية مكثفة مع أعضاء مجلس إدارة مؤسسة المعمل. أما الملصق النهائي الذي اعتُمد للمعرض فاستند إلى الخيار الأصلي من خلال استخدام مقتطفات مستوحاة من نصوص الرسائل الإلكترونية المتبادلة هذه. وكانت النتيجة عبارة عن موجز مرئي مبتكر عن الرقابة الذاتية التي تتم ممارستها في سياق الاحتلال العسكري.
فاليري غروف
فنانة وكاتبة في المجال الفني تقيم في لندن في المملكة المتحدة.
بالاشتراك مع مؤسسة حوش الفن الفلسطيني
الفنانون المشاركون:
مجهول، كريم أبو شقرة، مؤيد عملة، أسد عزّي، ميرنا بامية، تيسير بطنيجي، بهار بهبهاني، يمنى شلالا وجانو غوصي، محمد فضل، سارة فاروقي، عيسى فريج، محمد الحواجري، ديما حوراني، خالد جرار، يزن الخليلي، مارتن لبيودا، رندة مداح، ف. زاهر مبيني، أريان ميشيل، نسرين نجار، مايكل راكوفتز، ريغو 23، رائدة سعادة، سلامة الصفدي، وإيناس ياسين.
عروض الأداء:
أورييل بارثيليمي، فلاتكا هورفت، وفرقة صابرين (مشروع مايكل راكوفتز).
معرض القدس الرابع
1 – 9 تشرين الأول/أكتوبر 2010
مشاريع فنية في اثني عشر مكاناً مختلفاً في أنحاء مدينة القدس القديمة كافة