آمال جيوغرافيكس الكثيرة

بحسب: Jelle Bouwhuis | آب 2010

إن معرض "جيوغرافيكس. خريطة الممارسات الفنية في إفريقيا، ماضياً وحاضراً" هو القسم الأكبر من مهرجان إفريقيا الرؤيوية في مركز بوزار للفنون الجميلة في بروكسل الذي عقد بمناسبة الذكرى الخمسين لاستقلال جمهورية كونغو الديمقراطية و16 دولة إفريقية أخرى. ويعتبر أيضاً المرحلة الأولى من تعاون يمتد على أربع سنوات بين مركز الفنون والمتحف الملكي لوسط إفريقيا في ترفورين، هذا المتحف المميّز لعلم المتاحف الاستعمارية المرتقب أن يخضع قريباً لإعادة الإعمار والتوسع. ومن الواضح أن طموح هذه المناسبة المزدوجة المشتركة بين المعرضين يتضاعف عظمةً بصدور كلمات تمهيدية شاملة للأعمال المرافقة للمعرض لكل من رئيس المجلس الأوروبي ورئيس المفوضية الأوروبية بالإضافة إلى رئيس الوزراء ووزير خارجية بلجيكا. ولكن هل هذه الكلمات كفيلة بمضاعفة جودة الأعمال أيضاً؟

لا شك في أن أهمية المعرض تضاعفت بفعل هذه العناصر. استخدمت أكبر غاليري في بوزار لاستضافة هذا المشروع. فكرست غالبية المساحة لعمودين شاهقين من الزجاج مليئين بالأقنعة والتماثيل والمنحوتات الإنسانية والحيوانية الشكل والأثاث وبعض الأواني والآلات الموسيقية من وسط إفريقيا، وهي أغراض جمعها على مدى سنوات جامعو تحف فنية بلجيكيون خاصون ومتحف إفريقيا - 220 قطعة في المجموع . وقد عرضت هاتان الفترينتان المتنقلتان جنباً إلى جنب ضمن خط شارك في تنظيمه ثمانية مراكز إفريقية للفن المعاصر، مثل مركز الفن المعاصر في لاغوس، وشركة المواد الخام في داكار، ودرب 1718 في القاهرة، وأقدمها دوال آرت ومقرها في دوالا في الكاميرون. وقد سمح لها جميعها بإنشاء غاليري مع تقليصها عروضها اعتماداً على أفلام وثائقية تدوّن ممارساتها (مثل بيشا من لومبومباشي، جمهورية كونغو الديمقراطية) أو تجهيز على شاشات متعددة حول التجربة الحضرية في القاهرة (درب 1718). وحدها مؤسسة لاروتوند دي زار في أبيدجان استغنمت الفرصة لملء المساحة المخصصة باللوحات في حين أن المؤسسات الأخرى أبقت الأعمال مشتتة ومضبوطة ارتباطاً بالنشاز الإثنوغرافي بطبيعة الحال.

للصدق، من المحرج أن يتوفر فن معاصر يرتبط بالعرض المهين لجوائز استعمارية من هذا النوع. ولعل وجهتي النظر المتناقضتين الداعمتين لهذا المشروع تنبعان من المتحفين اللذين ضما جهودهما لسبب انتهازي. ولا يمكن التغاضي عن المنطق المبرر لإعادة تفكير متحف إفريقيا بمعرضه. في جيوغرافيكس، قام متحف العالم في روتردام مؤخراً بتنظيم العرض بنفسه: الإثنوغرافيا "المعروضة كفن" - أي في عروض لا تضم أي مراجع سياقية أو في حالة جيوغرافيكس، لا تشمل أكثر من تصنيف إقليمي مجرّد (مثل "منطقة الغابات" التي تنطوي بطبيعة الحال على الكونغو).

لكن هذا المفهوم يعتمد على افتراض خاطئ يكمن في أن الفن لا يندرج ضمن أي سياق ولا يحتاج إليه. كما لو كان عرض "الفن" يكشف النقاب عن جودة جمالية متأصلة ويسهل تعرّفها. هذا صحيح حتماً ولكن الفن المعاصر اتخذ منذ فترة طويلة موقفاً مختلفاً تماماً حيث باتت عملية الإدراج في السياق، ضمن مسار الإعداد الحرج، جزءاً لا يتجزأ من أي معرض تقريباً. على سبيل المثال، ما علاقة المساحة المخصصة للفن التجريبي مثل الشقة 22 في الرباط بغابة مطيرة في الكونغو وأي غرض نهب منها؟ لا شيء أكثر من الرؤية الأوروبية الضيقة التي تجمع هذه الأغراض في المقام الأول. وهكذا، بالكاد تظهر الشقة 22 أي مفهوم في المعرض تماماً كما مساهمتها فيه. فإن هذا العمل استغنم الدعوة فرصةً لتوسيع حيّزه المكاني بالإذاعة على شبكة الإنترنت التي يمكن مشاهدتها/الاستماع إليها على الخط (وفي بوزار عند الطلب). ولكن اتباع هذا المسلك ليصب في إطار الانتقاد الضمني من الخارج الذي ضلّ السبيل تماماً في فورة المشهد. ويمكن لأي ملاحظة حرجة تعطى في مجال الرعاية الفنية أن تقوم بهذه المهمة على نحو أفضل. والآن، مع بذل بعض الجهود، يمكن للمرء أن يجد رأياً ملفتاً واحداً حتى لو كان وجيزاً في النشرة المصورة لجان موتيبا راهييه [1]


اختار بوزار ومتحف إفريقيا مساراً أقل وعياً للذات: فقد لجأ القيّمون عليهما إلى خدمات المهندس المعماري الشهير ديفيد أدجاي وعرضوا عليه مهمة مستحيلة تقضي بتنفيذ خطة محددة مسبقاً تضمّ المجموعات الإثنوغرافية والفن الإفريقي المعاصر. فإذا به يقترح حلاً أساسياً يكمن في إدراج عنصر ثالث في المعرض يتألف من مئات الصور التي التقطها لعواصم 17 بلداً تحتفل باستقلالها (بما في ذلك مصر). وتعرض هذه الصور كورق جدران في غاليريهات بوزار كافة. الجدير بالذكر أن أدجاي يولي في مناظر المدينة اهتماماً خاصاً لفن العمارة الحديث في المناطق الحضرية، مساهماً في جعلها تبدو نفسها وتؤدي وظيفتها في مستوى غامر من المهارة المفرطة. أما الرابط ببقية المعرض فيستند إلى بعض الافتراضات والبيانات العامة علماً بأن المبرر الرئيس – النابع من مقدّمة أدجاي الشخصية والغامضة على حد سواء في الدليل – يتمثل بأن الإبداع الإفريقي ما زال على قيد الحياة وانتقل من الريف والغابات إلى المدن. لذا، يتوفر عدد من مراكز الفن المعاصر في المدن (وإن لم يكن ذلك حصراً في العواصم التي صوّرها أدجاي). وكما العمودين الشاهقين، يؤدي هذا البيان الإضافي الذي لا مفر منه في المعرض وظيفة الإلهاء عن قضايا أكثر إلحاحاً، أو بصراحة، عن أي مجال من مجالات الاهتمام الفني[2]. إلا أنه ينجح بالتحديد في تجنّب أي محاولة جدية لربط الأبهة الإثنوغرافية بالفن المعاصر وممارساته الفنية مكتفياً بتأمين الإطار لمأزق وقع تاريخ انتهاء مدة صلاحيته في الأيام السابقة لعرض مركز بومبيدو الطموح "ساحرو الأرض" (1989).
أنقذ المعرض جزئياً بفضل قسم الفن المعاصر الذي كلّف به كويو كووه التي تدير شركة المواد الخام - ليست بمساحة فنية وإنما وسيلة لممارسة الرعاية الفنية ذات التوجه الدولي. فكانت مسؤولة عن دعوة مراكز فنية إفريقية أخرى وانتهزت الفرصة لعرض كبرى مساهمات الفن المعاصر في المعرض: أعمال لثيو إشيتو، وقادر عطية، وجورج أسدي، ومنصور سيس. وقد شغل هؤلاء الفنانون غاليري خاصة بهم بينما كانت أعمالهم معزولة تماماً عن البقية. وهذا ما يضفي على هذا القسم قليلاً من الفوضى. فما الهدف من جعل الأمر يبدو كما لو كانت الراعية الفنية قد دعت نفسها أيضاً وما الهدف من منح شركة المواد الخام المزيد من المساحة؟ من جهة أخرى، تعكس هذه المساهمات المهمة الماضي الاستعماري من حيث الثنائيات القائمة بين الغرب وإفريقيا خاصةً أن عمل قادر عطية "افتح عينيك" يشكل رداً مباشراً على جمود المعرض الاستطرادي والمشهد الملهي. في عرض الشرائح بقناتين، يصفف عطية، من بين أمور أخرى، صوراً من مجموعة المتحف الإفريقي مع صور لقدامى المحاربين الجرحى في الحرب العالمية الأولى. وقد خضعت جميعها لتعديلات كبيرة: فقد أظهرت الأغراض الإفريقية تصليحات مؤقتة قام بها السكان الأصليون الذين بالكاد كانوا يكترثون للتناسق الجمالي الفني خلافاً للوظيفية العملية. وليست وجوه الجنود إلا الدليل القاطع على هذه الممارسة التي كانت حينذاك وليدة الجراحة التجميلية وهي مسألة تندرج في مجال الارتجال المحض القائم على إضافة مواد غريبة إلى اللحم والعظام. وتبيّن مجموعات أخرى من الصور ممارسات غربية للترميم مطبقة على أغراض إثنوغرافية بإضافة مواد غريبة - بشكل مختلف تماماً عن الارتجالات الأصلية - وصوراً تاريخية للتعديلات الطارئة على الجسد في بعض التقاليد الإفريقية، مثل التمديد المتطرف للشفة وشحمة الأذن كما خدش الجلد. إنه عمل ينفّذ مع الحرص على الحداثة وموقفها المزدوج من "النزعة الإفريقية". وتتناول مساهمة ثيو إشيتو، عودة مسلة الأكسوم، الاستعاضة عن مسلة الأكسوم الأثيوبية بعد ردها من إيطاليا. إنها في الأساس تسجيل يقدّم على شاشات متعددة لا داعي لها لأغراض خاصة بالمعرض، ولكنها تذكّر بشكل القطع الأثرية الإفريقية المنهوبة المهملة في المعرض الرئيسي.

ولكنه، بصرف النظر عن شركة المواد الخام (ولا روتوند دي زار)، بدا طابع البيانات المعروضة للمراكز الفنية الأخرى قمعية على المستوى السياسي. ضمن هذه البيئة السائدة، لم يكن من مجال لرعاية معرض لائق سوى سحب، كما فعل عمل الشقة، أو الاعتماد على الصور الوثائقية وبعض الأعمال الصغيرة شأن خرائط جود أنوغويه (في غرفة مركز الفن المعاصر). ويمكن اعتبار إدراج هذه القطعة انتقاداً متعمداً لإعداد الخرائط الاستعمارية التي لا يزال ذكراها يطارد هذا المشروع. وبهذا، إذا جاز التعبير، يطرح هذا البيان مقابل البيانات الأخرى - إلا أنه أكثر غنى من حيث المحتوى. وبعبارة أخرى، لكان من المثمر أن يتصرّف أدجاي والمتحف الإفريقي بتواضع.

في النهاية، يبشّر جيوغرافيكس بعدد من الطموحات الكثيرة. إنه عرض واضح لا للفن وإنما لعقبات لم يعمل على تجاوزها. وهو يدل على أن الدرب لا تزال طويلة لإفريقيا الرؤيوية وتستطيع حتى الآن أن تلقي نظرة إلى الوراء على تجربة مكلفة ينبغي أن تعرف في الغالب على أنها ليست بحدث في أفضل الأحوال.

 

ملاحظات:
  1. أ – م. بوتيو، كويو كووه (إدارة)، جيوغرافيكس لديفيد أدجاي، خريطة للممارسات الفنية في إفريقيا، ماضياً وحاضراً، مركز الفنون الجميلة، بروكسل 2010. مقالة راهييه، "نجاة التصنيفات الاستعمارية في الحقبة اللاحقة للاستعمار" مخبأة في ص. 86 – 89.
  2. في ما يتعلق بسلطة مراوغة المشهد ارتباطاً بالفن المعاصر، استوحيت من سفين لوتيكين، الإعلان السري، روتردام، 2005، خاصة الفصل "تواطؤ العمومية".

Jelle Bouwhuis

Head of Stedelijk Museum Bureau Amsterdam, The Netherlands.

(الترجمة من الإنكليزية: ماري يزبك)

جيوغرافيكس
خريطة الممارسات الفنية في إفريقيا، ماضياً وحاضراً

9 حزيران/يونيو – 26 أيلول/سبتمبر 2010

BOZAR

Centre for Fine Arts

Rue Ravensteinstraat 23
Belgium

المدير الفني:

ديفيد أدجاي

 

الرعاة الفنيون:

أن – ماري بوتيو، كويو كووه، نيكولا سيتاري

 

إنتاج مشترك:

بوزار إكسبو والمتحف الملكي لوسط إفريقيا في ترفورين، بلجيكا

 

بالاشتراك مع المراكز الفنية:

مركز الفن المعاصر في إفريقيا الشرقية في نيروبي، كينيا: مركز الفن المعاصر في لاغوس، نيجيريا؛ درب 1718، مصر؛ دوال آرت، الكاميرون؛ الشقة 22، المغرب؛ لا روتوند دي زار، ساحل العاج؛ بيشا، الكونغو؛ شركة المواد الخام، السنغال.

 

 
نفس
Back to Top