"اطلق النار على عراقيّ"

بحسب: Florian Rötzer | أيار 2007

قبل فترة من الوقت مضت، أثيرت ضجّة حول فكرة طرحها رجل من تكساس بإتاحة الفرصة أمام الناس، عبر الانترنت، استعمال بندقيّة يتمّ التحكم بها عن بعد من أجل الصيد وإطلاق النار على حيوانات حقيقيّة (الحيوان الأوّل الذي أطلِق النار عليه عبر الانترنت [1]). لاقت الفكرة انفجارا من الرفض نحو التطبيق المدنيّ لهذه الممارسة العسكريّة بتصيّد الناس عن بعد باستعمال الطائرات المسيّرة عن بعد (بلا طيّار إنساني) أو الرجال الآليين. في العديد من الولايات الأمريكيّة، مُررت قوانين تحظر صيد الحيوانات عبر الانترنت (القتل عن بعد [2]).

بعد أن مُنِع في تكساس، انتقل جون لوكوود إلى بندقيّة كرات الألوان على شبكة الانترنت [3]، ولكن يبدو أنّه لم يلق نجاحا كبيرا. لربما استلهم وفاء بلال، فنان من العراق، فكرته من تجهيز لوكوود التفاعلى على الانترنت، على أيّ حال من الأحوال، ولمدّة أسبوعين، عاش بلال ليلا ونهارا في غرفة من دور عرض فلاتفايل [4] في شيكاغو مع بندقيّة كرات ألوان وكاميرا للانترنت مصوّبة نحوه باستمرار (يمكن رؤية يوميّات أو مذكّرات الفيديو هنا [5]). يمكّن "المعرض" مستعملي الانترنت من المساهمة في تجربة تكاد تكون من نوع ميلجرام، لأنّ كلّ من يرغب بإطلاق النار (الألوان) على الفنان يمكنه ذلك. لا يمكن لهذا أن يؤذيه فعلا، إلاّ أن كرات الجلاتين مؤلمة عندما تضربه في وجهه. كما يمكن للمشاهد أن يتّصل بالفنان عبر الدردشة الإلكترونيّة.

نوى بلال أن يُطلق على تجهيزه عنوان "اطلق النار على عراقيّ." إلاّ أنّ المسؤول عن معرضه اعتقد أنّ العنوان مباشر جدّا وسياسيّ جدا. وأصبح له العنوان الأكثر تحفّظا "دوميستيك تنشون (توتّر محلّيّ)" [6] إلاّ أنّه يترك المجال ليكون قصد الفنان واضحا، هو الذي قٌتِل أخاه الأصغر على يد جنديّ أمريكيّ في النجف في 2005. تبع ذلك بقليل، مقتل والده كذلك. مشروع بلال الإعلاميّ بانخراطه الشخصيّ بشكل عال هو حتما عمل سياسيّ نقديّ للحرب العراقيّة وتبعاتها، إلاّ أنّه يثير في الوقت ذاته اسئلة هامّة عن العلاقة بين القرب والبعد وبين الحقيقة والخيال وهو شكل نمطيّ للحصول على الاهتمام، مصدر أصبح ندرة في اقتصاد يصرّ على الحصول على الانتباه من خلال الإعلام.

بفعله الفنيّ، سيجذب بلال الانتباه للتهديدات التي يواجهها الناس في العراق يوميّا بعد الهجوم الأمريكيّ وفي الوقت ذاته يحتفي بالفن الذي يجعل من المشاهد الذي كان بعيدا في الوضع التقليدي ليصبح مشاركا بطريقة مألوفة في ألعاب الكمبيوتر أو الحاسوب. إلاّ أنّ الحياة التي يقودها بلال لمدّة شهر، حبيسا وتحت المراقبة في "عبوة،" ليس لها علاقة بالبرامج المألوفة من برامج الواقع التلفزيونيّة؛ بل هي تكشف عن وضع سيطر على حياة العديد من العراقيين طوال سنوات. لأنّ الخطر تهديد قائم في كلّ خطوة، يتجنبون ترك شققهم وبيوتهم إلاّ إن كان استدعت الضرورة القصوى ذلك. هو يقول أنّ هذا هو الحال الذي تعيشه عائلته في العراق الآن والتي ليس لها وسيلة للخروج من البلاد. لهذا السبب، أراد [7] أن يكون أكثر قربا لدعم عائلته والناس في العراق.

تخلّى بلال عن الصوت [8]، حتى يكون أبعد ما يمكن عن مستعملي الانترنت كما العراقيّون عن الأمريكيين: "أريد أن يكون معزولا. أريده أن يكون كما لعبة الفيديو. هكذا نرى نحن هذه الحرب، كما لعبة فيديو.
لا نرى الأجساد المشوّهة أو النتائج على أرض الواقع."
إلاّ أن بلال ذاته يسمع صوت الطلقات عندما تُطلق وصوت انفجار الكرات أو العبوّات عند ارتطامها بالحائط.

ولِد بلال في 1966 في بغداد حيث كبر في كنف عائلة شيعيّة. بالرغم من أنّه كان يريد أن يكون فنانا في ذلك الوقت، كما يكتب، اضطر لدراسة الجغرافيا. إلاّ أنّه كان يصنع رسومات أثناء دراسته. كانت هذه الرسومات ناقدة لحكم صدّام حسين، فاعتُقل عدّة مرّات. بعد حرب الخليج في الـ 1991، عندما وعد عندها بوش، رئيس الولايات المتحدة الأمريكيّة وقتها أن يساعد العراقيين إن قلبوا حكم صدّام، شارك في المقاومة. تجنّب أن يُستدعى للخدمة في الجيش مباشرة قبل ان تنفجر الحرب فهرب إلى الكويت. ومن هناك طُرِد إلى مخيّم لللاجئين في السعوديّة حيث كانت الظروف فظيعة، ومن هناك تمكّن أخيرا من الوصول إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة في 1992. يدرّس، منذ 2001، في مدرسة معهد الفنون في شيكاغو.

لا يصوّب الناس بندقية كرات الألوان على بلال بالضرورة؛ يطلقونها على الإنارة أو السرير أو الحائط. لقد سحب الزناد الآلاف من الناس حتّى الآن. وهكذا تبدو الغرفة؛ في الأصل نظيفة وبيضاء؛ إنّها الآن مدهونة بلون أصفر متّسخ. يحيط خطّ عريض بالحائط حول الغرفة حيث ترتطم كرات الألوان؛ يمكن أن تُحرّك البندقيّة يمينا ويسارا ولكن ليس للأعلى أو الأسفل. وبالتالي عندما يستلقي بلال على سريره ويحاول أن ينام أو يمشي مقرفصا فلا يمكن الوصول إليه عندها. يمكن للفنان أن يحمي نفسه بدروع من الزجاج البلاستيكيّ (البلكسي غلاس) داخل الغرفة. تصعُبُ السيطرة على كاميرا الانترنت عندما يحاول عدد أكبر من اثنين من مستعملي الانترنت استعمالها. عندها، يتصارعان فيما بينهما فتتأرجح الكاميرا إلى الأمام والوراء مع البندقيّة.

عندما يتحرّك بلال بعيدا عن المناطق المحميّة – أي خارج المنطقة الخضراء، إن جاز التعبير – وإلى نطاق الرماية، عندها يبدأ مستعملو الانترنت بإطلاق النار: "بعضهم مهووس جدّا، كما في نظام الصيد. يجلسون منتظرين حتّى أرتكب خطأ."

هل يريد حاملو البندقيّة هؤلاء اللعب فحسب؟ هل يفهمون الصيد على أنّه لعبة كمبيوتر، حتّى إن كانوا يصوّبون على شخص حقيقيّ؟ هل الأمر ممتع أن يتوّقفوا عن التصويب نحو أهداف افتراضيّة بأسلحة افتراضيّة وعلى أجساد افتراضيّة، فيقومون بدل ذلك، عن بعد تحميهم مجهوليّتهم ومن عتمة مساحة الرؤية في الانترنت، بإطلاق النار وباستخدام أسلحة وإن كانت مجرّد بنادق كرات ألوان قاصدين إنسانا حقيقيّا؟ هل المشاعر المتوّرطة هنا هي ذاتها المتعلّقة بالحرب في العراق؟ هل يصبح المتفرّجون البعيدون في الحقيقة أطرافا مشتركة ينطلقون من سلبيّتهم لا كمتلقين للفن فحسب، بل كموضوعات سياسيّة بحد ذاتهم أيضا؟

يمكن طرح السؤال التالي، ما الذي يثيره هذا النوع من مساحة إطلاق النار التي تمتد من المساحة الافتراضيّة إلى المساحة الحقيقيّة في الناس؟ هل سيستثارون فيعملوا نحو وقف العنف؟ أم هل سيتشجّعون على ممارسة العنف؟ ما تزال لعبة كمبيوتر حيث لا يحدث شئ تقريبا. أم لربما تجهيز بلال الفعليّ الإعلاميّ هذا هو نموذج تجهيز "مجزرة" حيث، من أجل المال، يمكن لمستعملي الانترنت أن يُطلقوا ذخيرة حيّة على سجين؟

"على أيّ حال، قال بلال في اليوم الـ 13 لمشروعه الفّني والذي كان مخططا له أن يستمرّ ستة أسابيع: "في هذه المرحلة، أنظر قُدما إلى اليوم الذي تصمت فيه هذه البندقيّة وتصمت فيه جميع البنادق

Florian Rötzer

Born 1953 in Munich, Germany. Author, publicist, media theorist. Since 1996 he is chief editor of the online magazine Telepolis, which he co-founded, and publisher of the Telepolis book series at Heise Publishing.

نُشرت بالموافقة الكريمة من المؤلّف والمجلّة الإلكترونيّة تيليبوليس حيث نُشرت المقالة بالألمانيّة في 21 أيّار مايو 2007.

الترجمة من الإنجليزية: ديالا خصاونة.

توتر محلي
مشروع من أعمال الفنان وفاء بلال
4 مايو - 4 يونيو 2007

دور عرض فلاتفايل

217 N Carpenter ST
USA

يظل هذا التركيب الفني محفوظا في الجاليري. وسوف يتم يوم 16 يونيو. في الساعة السادسة مساء تنكيسه بمساعدة المجتع. ولمزيد من المعلومات نرجو زيارة المواقع الآتية:

 
نفس
Back to Top