محمد كاظم

بحسب: Ebtisam AbdulAziz | آب 2007

أعمال محمد كاظم تتميز بالنظرة الثاقبة لجوهر الأشياء الموجودة في الطبيعة فهو على اتصال دائم ببيئتة، بما تحويه من مفردات وعناصر، لكنه لا ينقل هذه العناصر كما هي بل يحور مضامينها ليدرجها ضمن عمله، وهو مراقب جيد للمتغيرات، يتأمل ويراقب بعمق لإيجاد الغموض المتركز في المشاهد والتصرفات المترجمة في أعماله.

محمد كاظم ضمن مجموعة مكونة من خمسة فنانين هم: ( حسن شريف، حسين شريف، محمد احمد إبراهيم، عبدا لله السعدي و محمد كاظم)، هذه المجموعة هي من أوائل من اتخذ الفن التجريبي المفاهيمي اتجاها لخط أعمالهم، كاظم من أوائل من ادخل الفيديو والتكنولوجيا الحديثة كخامة لخلق منتجه الفني، عرف أيضا كاظم بنشاطه المتمثل بما يقدمه من أدوارا اجتماعية تثقيفية في تحفيز و صقل المواهب المتمثلة في أجيال الشباب، بما قدمه ويقدمه من دعم من خلال الإشراف على الورش الفنية التعليمية الفنية، من اجل الإسهام في العملية التثقيفية لضمان الاستمرار من خلال خلق جيلا مثقف مبدع.

ترتكز هذه المقالة على ثلاثة محاور مهمة متمثلة في مجموعة من أعمال كاظم، والتي تعبر عن شغفه وترسم خطا واضحا لما ترصده من مفاهيم متغايرة، هذه المحاور هي :

سيرة ذاتية،

إتجاهات، و

نافذة.

سيرة ذاتية:

تحمل أعمال محمد كاظم والتي بعنوان (سيرة ذاتية) تحاليل مقعدة ومركبة لعناصر اجتماعية نفسية توثق سيرته الذاتية بما تتضمنه من تصرفات تلقائية وطبيعية، فهو اما يستعيد ذكريات ما، او يرصد نتائجه المستقبلية التي تعبر عما يطرأ من تغييرات في حياته المعاصرة، والتي بالطبع جعلته يلجأ الى استخدام الكثير من الخامات والعناصر المتغيرة، فبالتالي يضع كاظم هذه التصرفات في سياق الفن بلغات وادوات بسيطة متألفه من ممارسات يومية تعبر عن انشغاله الدائم بشؤونه الفكرية والاجتماعية.

فهناك اعمالا أخرى ارتبطت بفن الجسد، يقوم خلالها كاظم بالعديد من الإيماءات والحركات الجسدية المختلفة يرصدها ويوظفها في هيئة عناصر فنية ، فهو يجسد فيها سيرته الذاتية الاجتماعية، فلدية خطابا اجتماعيا يلمح في الأحداث والتصرفات الخصوصية جدا، فهو يخلق نوعا من التفاعل بين حياته و فنه، ففي عام 1996 قدم عملا بعنوان (سيرة ذاتية)، يتكون من صندوقا خشبيا مقسما إلى 6 خانات هذا الصندوق بطول الفنان، ويقوم كاظم بتمثيل اداءا حركيا، في شكل صورا لجسده أثناء أداء حركات، هي نفسها الحركات التي يؤديها المشاهد إذا ما أراد مشاهدة الصور المعروضة. أيضا في عملا آخر (سيرة ذاتية-1994) يقوم بأداء تمثيليا يقوم خلالها كاظم بادخال لسانه في ثقوبا وفتحات مختلفة كالإبريق، ثقب أنبوب الماء، ثقب الباب،....وغيرها، هنا يتعامل كاظم بنرجسية تجاه الأشياء.

في عمل محمد كاظم بعنوان صور و اعلام 1997-2003 نرى انه يرجع بالمشاهد بذاكرته الى الوراء حيث يتذكر الاعلام، التي وضعت في منطقة الممزر بدبي- وفي نفس الوقت تأخذ هذه الصور المشاهد بذاكرته الى الوقت الحاضر، والتي هي ايضا تأخذ المشاهد بخياله الى المستقبل فالعمل وثيق الصلة ببيئة الفنان، وما تتعرض له من تسارع هندسي عمراني، فكاظم مرتبطا ببيئته، فهو يفضل ان ينقل للمشاهد فكرته في هيئة قصه، فنراه في كل مشهد يتنقل بجسده من مكان لآخر، وفي كل مرة يحجب جزءا من المشهد اثناء وقوفه، فبالتالي يرى المشاهد ذات المشهد الذي يراه كاظم انما ناقصا، يقول كاظم: "جميع الكائنات الحية تمشي و تنتقل من نقطه الى اخرى حتى النباتات، اعتقد ان الانسان مهزوم امام الطبيعة، فلا يوجد شيء اسمه غير طبيعي فكل ما يصدر منا من تصرفات هو نتاج طبيعي.

أما في عمله (سيرة ذاتية 1998) رقم ( 9) الذي يقوم فيه بمزج اكوام من رمال وقطع من الخشب مع الاحجار، قام خلاله بجلب الرمال والاحجار من اماكن يعرفها وفي فترات زمنية معلومة لديه، فهو هنا يمزجها مع قطع الخشب التي جاء بها من المصانع والتي استجلبت من اماكن غير معلومة لدية، فهو يربط هذه الاشياء المعلومة لدية بالوجودية، كذلك هو لايعلم مصدر هذه الاخشاب إلا انه يقوم بعرضها ممزوجة معا، وبالتالي هو يدمج المكانين ( مكان معلوم وآخر غير معلوم) والتي هي ايضا غير معلومة لدى المشاهد.

إتجاهات

من خلال اعمال محمد كاظم اتجاهات نرى انه يلعب بالارقام بدقة شديدة، فهو دقيق في تقدير المسافات، المساحات، الارتفاعات والانخفاضات ويحدد مواقع واتجاهات الاشياء، ففي اعماله (اتجاهات) استخدم الارقام التوثيقية المحددة لمواقع الاشياء والامكنه، باستخدام جهاز (جي بي اس GBS) وهو جهاز يستخدم لرصد الاحداثيات الجغرافية للأماكن ، ففي عمله اتجاهات- ، يقوم برصد مواقع لاماكن مختلفة، وفيما بعد يقوم بتعبئة هذه الارقام بالرمال والصخور، كلا حسب مواقعها الجغرافية على الارض، حيث يعرضها جميعا في شكل عمل تركيبي مستخدما ارقاما وحروف بلاستيكية موضحة خطوط الشماليات والشرقيات وارتفاع منسوب سطح البحر بالاضافة الى الزمن والتاريخ . أيضا محمد كاظم متابع ومراقب جيد لما يدور حوله، فهو يرى بعين راصدة كل ما يجري في المنطقة، ويشاهد واقع العالم المادي في الحاضر والمستقبل، فهو يرصد الاحداثيات الجغرافية للأماكن المختلفة بدقة، ومن ثم يقدمها بطرقة تكسر وتلغي هذه الدقة، فمن خلال هذه الاعمال نرى انه يقدم أعمالا تتمرد على الجغرافيا في كسر الحدود الجوية والسياسية للدول والامكنة. حيث قدم العديد من الاعمال ذات الارتباط الوثيق بالبيئة ولكنه هنا يتمرد على المساحات، فلم تعد صالات العرض كافية لعرض أعماله، كونها مشاريع واعمالا ضخمة.
في عمل كاظم اتجاهات 2002- 2003 الذي عرضه في بينالي الشارقة السادس، نرى ان العمل ذو صلة بالمستقبل وعلاقتنا بهويتنا ، بغربتنا و بجغرافياتنا، فالعمل عبارة عن عمل تركيبي صور فوتوغرافية توثيقية وايضا فيلما توثيقيا، نرى فيه محمد كاظم يلقى من القارب بالواح الخشب في المحيط، هذه الالواح نحت عليها ارقام واحداثيات تمثل خطوط الطول، العرض ومستوى البحر، وتأريخ للزمان والمكان، ونرى ايضا صورا لهذه الالواح تطفو على المحيط، بالاضافة الى العمل التركيبي المكون من قاعدة خشبية مغطاه بمسحوق تنظيف يحمل ارقاما ثلاثية الابعاد هي نفسها الارقام المنحوته على الواح الخشب، ما لا يراه المشاهد او قد لا يدركة، هو ان هذه الالواح سافرت وقطعت الحدود الجغرافية بدون ان تحمل جواز سفر، وهذا ما تتميز به اعمال كاظم التي طالما تمردت على الجغرافيا من خلال كسر الحدود سواءا البحرية الجوية او حتى البرية.
وعندما عرض هذا العمل في بينالي سنغافورا عام 2006، عرض الجزء الثاني من العمل بعنوان اتجاهات 2005، حيث عرض العمل في هيئه غرفة مصغرة كنموذج (ماكيت)، يستطيع المشاهد من خلاله النظر من الفتحه الموجودة بهذه الغرفة الاسطوانية الشكل، والتي بداخلها صورة مضاءه لمشهد افقي مستدير بزاوية 360 ْ، وفي ارضية الغرفة ارقام مضاءة هي إحداثيات جغرافية، يقول كاظم: " كان من المفروض ان يتم بناء الغرفة بحيث تكون بحجم المشاهد، وان يُعرض فيها فيلما مدته قصيرة جدا يوضح مشهد الافق بشكل دائري، بحيث تعطي صورة كلية للمكان حول القطعة الخشبية، فالفكرة تكمن في أن المشاهد الداخل لهذه الغرفة يشعر بأنه هو القطعه التي تتحرك على سطح البحر، هنا تتغير الاحداثيات الجغرافية للمكان وتصبح الارقام في حالة من التغيير الدائم".

نافذة

ومن المشاريع الكبيرة لكاظم عمل "نافذة" الذي استغرق العمل فيه منذ عام 03-2005 أكد من خلاله على مفهوم الانتماء لديه، فضمن هذا الاطار استطاع تحديد هويته وانتماءه، فهو مؤمن بحرية الرأي التي تتمثل في حقه الانساني للتعبير عن انتمائه ، ويرى أن الانتماء ليس هو القبلي، الاقليمي، القومي أو الديني ، إنما هو الإنتماء الى الانسانية وقد عبر عن هذا المفهوم من خلال عمله الذي أشار فيه إلى تطور الشعور الانتمائي عند الانسان. تمثلت أهم جوانب هذا العمل في كيفية اخراج القصة من الاطار الفردي الى المجتمع و الجمهور، فقد سعى كاظم إلى وضع المشاهد و الاحداث بطريقة تستفز الوعي والاحساس لدى المشاهد، وتصدمه من خلال التناقضات بين التطور الكبير في تقنيات المعلومات والتكنولوجيا المعاصرة و هزيمة الانسان، والتي اشار فيها الى احلال البيئة الجديدة. جاءت فكرة العمل بينما كان كاظم جالسا في حالة تأمل، أمام النافذة التي أعتاد على الجلوس أمامها بشكل دائم، ذات السماء الزرقاء، فلم يعتد على وجود عائق يحجب الرؤيا، إلا أنه اكتشف ذات يوم وجود خطا يعيق الرؤيا هو خط العمارة، من هنا جاءت الفكرة الأولية للعمل فكان الجزء الأول للعمل تلك الصور الفوتوغرافية، والتي عبرت عن العمل بشكل رواية، ترصد التغييرات للمشهد، في أداء حركي له جالسا وايضا واقفا أمام النافذة، فهناك مشاهد غائبة عن المشاهد تم حجب رؤيتها عنه، هي جزء من هذه الرواية التي سوف تكتمل لدى المشاهد في نهاية العمل، فهناك جزءا حجب عن رؤية المشاهد بواسطة جسد كاظم. يعرض فيلم فيديو المشاهد الداخلية للعمارة، خلالها ربط كاظم الموضوع من جوانبه الانسانية، ففي اثناء تصويره للعمارة، حين رفض صاحب العمارة بتصوير الغرفة المقابله للنافذة من الداخل مما اضطره الى تصوير المشاهد الخارجية ، جعل كاظم مثارا من جوانب أخرى، ففي أثناء التصوير لفت انتباهه الانظمة المتبعة من قبل هذه المؤسسات والتي تشكلت من سلم وظيفي يبدأ برئيس ، مدير فموظف وينتهي بأشخاص يتواجدون ضمن نظام معين يشرفون على عملية بناء هذه العمارة من الألف الى الياء هؤلاء هم العمال. إن التفرقة الاجتماعية والهوة التي تتجذر بين الاغنياء والفقراء، بحيث أن القوي يفرض سلطته ورغباته ، وفي هذه الاثناء أثارت كاظم جوانب إنسانية أخرى فالشخص الذي يجلس في المصعد ليراقب مابداخل المصعد، انتهاءا بشعور الصدمة اثناء حفل افتتاح الفندق، حينها يختل النظام المؤسساتي، فالعامل لا يتواجد في تلك المناسبة وليس من حقة حجز غرفة او حتى طلب وجبة، هنا تنتصر طبقة على أخرى، هذا الإنكار الوجودي يدعو للقلق والاحباط. يعرض ايضا نموذجا آخر من خلال مقالة بصحيفة الخليج تحمل خبر لعامل صيني فصل عن عمله بسبب رسالة حب كتبها لصديقته!!! أهمية هذه الجريدة تكمن في كيفية ربط هذا الخبر الآتي من الصين بالجريدة وبالبيئة المحلية، فالجريدة مقروءة للعامة فأصبحت بذلك جزء من بيئتنا، وصارت وسائل الاعلام ذات تأثيرا يشبه تأثير تلك المباني، فالواقع أصبح ممزوجا ولا يمكن فصله، فوضع العامل هذه المقالة هو نفسه وضع العامل المضطهد الذي لم يحضر حفل الافتتاح بل هو وضع الانسان بشكل عام. قدم محمد كاظم العمل في سخرية لاذعة، للتناقض الكامن بين الاشياء العصرية وما يدور في ارض الواقع ، فهو ضد كل من يهين الانسان ويستغله من قبل (عبدة المال).

 

Ebtisam AbdulAziz

Artist, lives in Sharjah. 2004-2005, member of the editorial committee of the Emirates Fine Arts Society’s publication "Al Tashkeel". Regularly contributes art reviews to several UAE publications.

 
نفس
Back to Top