صندوق أسود بغداد

بحسب: Daniel Bax | كانون الثاني 2006

يبدو أن اللحظة اختيرت للرمزيّة. في اليوم الذي انتُخِبَ فيه مجلس برلمان جديد في بغداد، دعى الـ كُنست-فيركه في برلين ضيوفا لتقديم معرضه "المعادلة العراقيّة". في حين كان مستقبل الدولة يُحدد في العراق، نُفّذَت عملية جرد للوضع الراهن بالنسبة لحال الثقافة العراقية بعد ثلاثين عاما من الديكتاتورية وبعد أكثر من عقد تحت الحصار والآن وقد مرت سنتان على الإحتلال الأمريكي كما شددت رئيسة الـ دوكيومنتا السابقة، كاثرين ديفيد. كمديرة للمعرض، هدفها كان أن تقدّم صورة تتناقض مع الصور الإخبارية التلفزيونية المألوفة التي تصلنا منذ حرب الخليج.

مع أن المعرض يهدف أن يقدم صورة مختلفة تماما عن تلك التي ينقلها الإعلام، إلاّ أن عددا ضخما من الشاشات وضِعَ على مساحة الطابق الأرضي لدار العرض. يقابل الزائر عند المدخل تماما عدد من شاشات التلفزيون التي تبثّ برامج حاليّة من محطات أقمار صناعية عربية. أخبار منوعة وبرامج واقعيّة وإعلانات ولقطات موسيقية عربية كما سيرى أيّ متفرّج في أيّ مساء على القناة في بغداد. ففي نهاية المطاف، بعد الإحتلال الأمريكي دُفِعت البلد بعنف نحو عهد الأقمار الصناعيّة. بعد عدد من الخطوات، تتواتر صور فوتوغرافية بالأبيض والأسود للمصور لطيف العاني على حائط جانبي. يرى المرء صورا حديثة لمدن وجسور وساحات ومواقع صناعية عاملة، دولة تمر بتجربة الإزدهار – صور للعراق في الستينات عندما بدا أن ثورة النفط ستحقق حلم المعاصَرَة العربية.

أولئك الذين يتوقعون أن يجدوا الفن فقط في "المعادلة العراقيّة" سيفركون أعينهم تعجّبا. الشئ برمّته يمثّل عملا تركيبيا متعدد وسائل الإعلام ويرى نفسه كـ "منصة" ليجمع عددا من المعالجات ووجهات النظر. وبالنهاية قليلة هي أعمال الفنانين العراقيين المعروضة. الأكثر وضوحا هو نسخة طبق الأصل عن جداريّة ضخمة تمتد بطول أحد جوانب الغرفة. بأسلوب يحاكي أسلوب أوتو ديكس، تصوّر منظرا من "مقهى في بغداد" وبالتالي العنوان، بالأراجيل والصبية ملمّعي الأحذية وصبية المقهى مع تمثيل للبرجوازية والجيش. صنع المصوّر فيصل لعيبي ساهي هذا العمل في لندن عام 1984، العمل الأصلي معلّق في بيت جامع خاص في أبو ظبي. على حائط آخر، هناك نصوص مضخّمة من المذكرات الإلكترونيةّ "دفتر" التي ألّفها الفنان العراقي نديم كوفي من نصوص ومقالات مترجمة ورسومات توضيحية جرافيكية.

هنا، يتعرف المرء على عدد أكبر من الفنانين العراقيين من خلال صورهم السينمائية التي قدمتها صانعة الأفلام الأردنية سوسن دروزه بالمقارنة مع أعمالهم المعروضة. أجرت مقابلات من أجل مسلسلها "هؤلاء الآخرون" مع مخرج مسرحي ومصممة مجوهرات وأزياء ومهندسة معمارية وشاعر. تُعرَض هذه الأفلام على شاشات أخرى موزعة بدون نظام في أنحاء الغرفة.

جُهزت حُجيْرات خشبية كبيرة في مركز غرفة العرض وتخدم كحُجيْرات عرض. تلعب في الحُجيْرة الأولى أربعة أفلام وثائقية تتناول عودة الناس من المنفى. الآن هم في وطنهم من جديد بعد سنوات من الغياب. استعملوا كاميرات يدوية من أجل توثيق انطباعاتهم وأوائل مواجهتهم لدولة محطّمة وأهلها: مناظر صادمة، عندما يخبر ضحية عن أساليب تعذيب وحشية لنظام صدّام مثلا. هذا يجعل من التصورات لعراق حر وديمقراطي، كالتي أثيرت في الإجتماع الأول لجماعات المعارضة العراقية في لندن التي سبقت العدوان الأمريكي بثلاثة أسابيع، يجعلها تبدو أكثر مثالية. في هذه الأثناء أفضى شيوعيون وممثلون عن الأكراد ورجال دين شيعة عن رغباتهم للمستقبل لصانعة الأفلام هناء البياتي. اسم الفيلم الذي يلعب في الحُجيْرة الخشبية الثالثة هو "عن الديمقراطية في العراق".

تركيز المعرض هو على هذا النوع من الأفلام الوثائقية التي يغلب عليها التناول الصحافي. يستطيع المرء أن يقول أن "المعادلة العراقيّة" هو في الأساس مهرجان فيلم وثائقي في هيئة مختلفة. يجب على الزائر أن يأتي وبجعبته الكثير من الوقت. تستغرق مشاهدة كل الأفلام 14 ساعة تقريبا.

لكن بعض الأسماء معروفة مسبقا. في قبو المعرض، يُعرض فيلم "أندر إكسبوجر" لـ عُديّ رشيد. الفيلم الروائي الأول الذي صُنِع في العراق بعد إنهيار نظام صدّام وهو يعرض أصلا في دور السينما في ألمانيا. كما أن هناك شئ يمكن رؤيته لكاتب اليوميات الإلكترونية سلام باكس الذي اشتهر خلال الحرب بسببها. منذ نهاية الحرب أنتج لـ بي بي سي (الإذاعة البريطانية) عددا من أفلام المذكرات التي تعرض وجهة نظره للحياة اليومية في العراق اليوم.

إذا ما هي النتيجة الأخيرة لـ "المعادلة العراقيّة"؟ لم يبق الكثير من الحياة الثقافية لدولة كانت تفتخر يوما بأنها "مهد الحضارات". نجى أغلبه في المنفى: الرف الرفيع للكتابات من أو عن العراق، بحد ذاتها، تتحدث مجلّدات. صنعت كاثرين ديفيد من الضرورة فضيلة وجلبت معا أحجية معبّرة: صورة غير مكتملة عن العراق إلا أنها تطوّر وتعمّق تلك التي نملك.

 

Daniel Bax

Journalist at the taz newspaper in Berlin, Germany.

(نُشِرت بموافقة من جريدة تاز، حيث ظهرت هذه المقالة في 21/12/2005)


(ترجمتها من الإنجليزية ديالا خصاونه)

المعادلة العراقية / تمثيلات عربية معاصرة
17 ديسمبر 2005 – 26 فبراير 2006

الإتجاه الفني: كاثرين ديفيد

المشاركون:
سنان أنطون
فاضل العزاوي
مؤسسة الحفاظ على التراث العربي المصوّر
فرناندو بايز
شيمون بالاس
هناء البياتي
سارجون بولص
سوسن دروزه
طارق هاشم
قتيبة الجنبي
نديم كوفي
فيصل لعيبي
جيما مارتن مونيوز
ميسون بشاشي
سلام باكس
هاريس بيلابايزيوتس
عُديّ رشيد
طلال رفعت
سمير
باز شمعون
صموئيل شيمون
هاشم الطويل
سعدي يوسف

 
نفس
Back to Top