مداخلات نقدية

بحسب: Tony Chakar | آب 2003

توني شكر
بيروت ، أغسطس 2005
مداخلة توني شكر

قبل الإجابة على هذا السؤال المحدد والذي يبدو في ظاهره بسيطاً، اود ان اعود إلى باختين، الذي يرى ان "كل عبارة تحدس بنوع الرد الذي سيجبهها، ولا تستطيع التفلت من التأثير العميق للرد المتوقع" (*). لكن هذا الرد بدوره يستدعي استحضار تيمتين اساسيتين: طبيعة الأعمال الفنية في حد ذاتها، وطموحاتها من جهة ثانية.

يبدو واضحاً للذين يتابعون النتاجات الفنية في العالم العربي (على الأصح في بعض مدنه)، ان هذه النتاجات مأخوذة بغواية الأفكار اكثر مما هي مهتمة بإنتاج الأشكال (الجمالية). ثمة وعي مشترك بين الفنانين حول ان الأفكار النقدية لا تسمح بتبويبها في فروع الميديا الجديدة نسبياً (على الأقل في هذا الجزء من العالم) كما يكون الأمر في الرسم والنحت. وهذا يؤطر الجمهور على وجه سلبي اكثر مما يؤطره حول مواضيع حيوية. والحال، فإنه بمعنى من المعاني يمكن النظر إلى هذه الأعمال بوصفها ضرب من الحراك الاجتماعي، تحتاج، وتتشكل من ردود متوقعة؛ اما عناصرها المؤسسة فمتغيرة وغير ثابتة، تمتد من الفوتوغرافيا إلى الرسم واالتخطيط وصولاً إلى النصوص.

والحق، فإنه من نافل القول، ان الصور المنتجة في بلاد العالم الثالث تستند إلى مراجع غربية، في عالم يشهد ضرباً من عودة انتشار الاستعمار ظافراً على نحو جلي، من ناحية اولى، ومن ناحية اخرى، فإن الدلالات اليوم لم تعد تتعلق بالضرورة بمداليلها، التي تحولت إلى ماهيات مستقلة ومنفلتة من عقالها.

في وضع متشابك كهذا الذي وصفت، تستطيع نظرة الفرد المشاهدة، حتماً، ان تشارك في تشكيل المنتج الفني، وعلى وجه الخصوص نظرة المشارك الذي يقع موقعاً مثالياً بالنسبة للمنتج، حيث تبدو القطعة منتجة فقط لأجل المشاهدين الذين يشاركون الفنان - المنتج فضاء العرض المباشر. هذا الفضاء المباشر لا يتخذ من المجتمع مرجعاً على نحو قاطع، اعني المجتمع الذي يأتي الفنان منه، بل هو معني بأشخاص يمكن اقامة واستئناف حوار معهم كان قد بوشر ببنائه منذ زمن ( وفي هذه الحال فقط يمكن الحديث عن وضعية مثالية). وبهذا المعنى حين يتجول العرض في اوروبا ( بسبب اهتمامات مفلسة _ لا اوهام لدينا حولها) يجب ان يبذل جهد مضاعف. نحن نعرف جميعا ان الغرب يملك اصلاً سيستام للاستقبال، شكبة اراء حيال كل ما يجري في الشرق، وازعم ان هذه الشبكة متصلة اتصالاً فعلياً بالنظرة الاستشراقية، والتي تبدو لي عصية على الاختفاء. بعد 11 ايلول هذه الافكار دفعت بالكثير من المهتمين في الولايات المتحدة لقراءة او اعادة قراءة القرآن، ظناً منهم انهم بهذه الواسطة يمكنهم فتح نافذة لفهم المجتمع العربية.

هذه الأفكار تتأطر في اطر مكدرة في الغالب، وهذا اقل ما يقال فيها. من قبيل ذلك الاستهجان الخفيف الموحي بشعور غير مستحب على وجوه المشاهدين، حين يستشهد فنان عربي بوالتر بنجامين على سبيل المثال. او ايضاً القراءات الخاطئة لبعض الأعمال بناء على مواقف مسبقة، وبسبب تحزب يستند إلى تقاليد نقدية تنص على مواجهة بين الغرب والعالم العربي ( على قاعدة شرعة حقوق الإنسان على سبيل المثال).

لا شك ان هذا التعميم لا يعني الكثير على المستوى الفردي، ولكنه يبدو مهماً على مستوى اجتماعي اعرض، ولهذا السبب يبدو صعباً على الفنان الفرد ان ينبي مثل هذه المقاربة. واكثر من ذلك، فإن التعميم يعمل في اتجاهين والفنانون العرب لديهم ايضاً الكثير من المسبقات حيال الغرب الذي يتوجب عليه ايضاً ان يخلع بعضاً من سلطانه قبل ان ينشأ حوار حقيقي، حوار مثالي بالمعنى الذي وصفته انفاً، حوار يخترق الزمن ويخترق الموضة الرائجة

 

Note:
  • Bakhtin, M. The Dialogic Imagination: Four Essays, Austin, University of Texas Press, 1981.
  • Tony Chakar

    Architect and artist, born in 1968 in Beirut, Lebanon, where he lives.

     
    نفس
    Back to Top